كتب: كرم أيمن سعد غفرى مستشار اللجنة العليا لشئون حقوق الانسان والعلاقات الدبلوماسية والاتحاد الدولى لحقوق الانسان.
في زمنٍ تتراجع فيه بعض مظاهر تقدير المعلم، يجب أن نتوقف قليلًا أمام سؤال مهم: من هو المعلم؟
المعلم هو الإنسان الذي تخرج من تحت يديه أجيال صنعت الطبيب والمهندس والمحامي والقاضي والضابط والمحاسب والكاتب والفنان والمدير، وكل صاحب مهنة أو وظيفة يشارك في بناء المجتمع وخدمة الوطن.
فكيف لا نمنح المعلم المكانة التي يستحقها؟ وكيف نطلب من أمة أن تتقدم، بينما من يصنع عقول أبنائها لا يحظى بما يليق برسالته من تقدير مادي ومعنوي؟
إن مكانة المعلم ليست رفاهية، بل هي استثمار مباشر في مستقبل الدولة. فالمجتمع الذي يحترم العلم ويقدر المعلم، يبني أجيالًا قادرة على مواجهة الجهل والفقر والمرض، ويحمي وطنه من أخطر أنواع الحروب؛ حروب الفكر والثقافة والوعي.
فهيبة الدولة لا تُبنى بالقوة وحدها، وإنما تُبنى أيضًا بالعلم والثقافة والأخلاق والوعي. وإذا تراجع التعليم، تراجعت معه قدرة المجتمع على مواجهة تحديات المستقبل.
هيبة المعلم.. جزء من هيبة التعليم
ومن أخطر ما يؤثر في العملية التعليمية تراجع هيبة المعلم داخل المدرسة والمجتمع، إلى جانب بعض الممارسات التي تجعل الطالب المخطئ لا يواجه وسائل تربوية وقانونية واضحة لضبط السلوك.
والتعليم الحقيقي لا يقوم على الإكراه أو التخويف، كما أنه لا يعني ترك الخطأ دون تقويم، وإنما يقوم على المحبة والاحترام والانضباط والحوار والترغيب في العلم.
نحن لا نطالب بمنح المعلم سلطة مطلقة، بل نطالب بمنحه هيبة قانونية وتربوية تحفظ كرامته، وفي الوقت نفسه تضمن حق الطالب وتحميه من أي تجاوز.
قانون يحمي المعلم ويحاسبه
ومن هنا تبرز الحاجة إلى منظومة قانونية وتربوية واضحة تحمي المعلم من الاعتداء أو الإهانة أو التشهير أو أي ضرر يتعرض له بسبب أداء رسالته، مع وضع قواعد حاسمة لمحاسبة أي معلم يثبت إهماله أو مخالفته للقواعد المهنية والقانونية والأخلاقية.
الحماية لا تعني الحصانة، والمحاسبة لا تعني إهدار الكرامة.
المطلوب هو تحقيق التوازن: معلم محترم ومحمي، وطالب آمن ومحترم، ومدرسة يسودها الانضباط والعلم والأخلاق.
رسالة إلى المجتمع والدولة
إن رفع شأن المعلم ماديًا ومعنويًا ليس تكريمًا لشخص واحد، وإنما تكريم للعلم وللمستقبل وللدولة نفسها.
فإذا أردنا تعليمًا قويًا، فعلينا أن نبدأ بمن يحمل رسالة التعليم. وإذا أردنا مجتمعًا واعيًا ومثقفًا وقادرًا على مواجهة تحديات العصر، فعلينا أن نعيد للمعلم مكانته التي تليق به.
المعلم ليس موظفًا يؤدي عملًا وينصرف، بل هو صانع أجيال، وباني عقول، وشريك أساسي في صناعة مستقبل الوطن.
فاحترموا المعلم، وأنصفوه، وارفعوا مكانته، واحموا رسالته، وحاسبوا من يخطئ وفق القانون، لأن أمة تهتم بمعلمها إنما تهتم بمستقبلها.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق