بقلم/ امل صالح سليم
كانت تجلس أمامى تبكى وتردد جملة واحدة"أنا لم أعد أخاف من العنوسة... أنا أخاف من الزواج."
وفى الجهة الأخرى كان شاب فى الثلاثين من عمره يقول"أصبحت أشك فى كل فتاة... لا أعرف من تريدنى زوجا ومن تريدنى مجرد وسيلة."
بين هاتين الجملتين تختبئ أخطر أزمة تهدد المجتمع اليوم... ليست أزمة البطالة ولا غلاء المهور ولا ارتفاع أسعار الشقق.
إنها أزمة الثقة
لقد ماتت الثقة قبل أن يموت الحب
أصبح التعارف يبدأ برسالة خاصة وينتهى بحظر أو فضيحة أو خيبة أمل جديدة وأصبح كل طرف يدخل العلاقة وهو يتوقع الخيانة قبل الوفاء والكذب قبل الصدق والاستغلال قبل الإخلاص.
لقد غيرت مواقع التواصل الاجتماعى مفهوم العلاقات بالكامل فمنصة صُممت للتواصل تحولت عند البعض إلى سوق مفتوح للمجاملات والصور والإعجابات والعلاقات العابرة التى لا تعرف مسؤولية ولا حدودا
وأصبح البعض يعيش عشرات الشخصيات فى الوقت نفسه
رجل يحدث أكثر من فتاة فى الليلة نفسها ويمنح كل واحدة الشعور بأنها الوحيدة فى حياته بينما هو فى الحقيقة يبحث فقط عمن تحقق له أكبر قدر من الإشباع النفسى أو الجنسى دون أى نية حقيقية للزواج
وفى المقابل ظهرت فئة أخرى تنظر إلى الرجل باعتباره فرصة لتحقيق مكاسب مادية أو اجتماعية فيختلط الصادق بالمخادع حتى أصبح من يريد الزواج بحق يدفع ثمن أكاذيب غيره
الأخطر من ذلك أن بعض الممارسات والسلوكيات التى انتشرت عبر الإنترنت بدأت تؤثر فى نظرة بعض الأشخاص إلى الزواج والعلاقة الزوجية فظهرت توقعات وسلوكيات لا تنسجم مع قيم مجتمعنا المسلم وأصبح بعض الشباب يبحث عن إشباع رغبات لا عن بناء أسرة بينما انشغل آخرون بالمظاهر أكثر من الأخلاق
ثم جاءت جروبات الزواج
كانت الفكرة فى أصلها نبيلة... مساعدة الشباب والفتيات على الوصول إلى الحلال
لكن بعض ضعاف النفوس حولوا هذا الباب إلى وسيلة للتلاعب بالمشاعر فأصبح يدخلها من لا يريد زوجة وإنما يريد التعارف بلا مسؤولية أو جمع العلاقات أو استغلال حاجة الآخرين إلى الاستقرار.
وهكذا لم تتلوث الفكرة نفسها وإنما أساء بعض الناس استخدامها فضاعت الثقة حتى فى الطرق التى خلقت لتقريب الحلال
واليوم أصبح كل طرف يضع قائمة طويلة من الشروط ليس لأنه متكبر ولكن لأنه خائف
خائف من الكذب...
خائف من الخيانة...
خائف من الماضى...
خائف من أن يكتشف بعد الزواج أنه عاش مع شخص لم يكن يعرفه أصلا
والضحية الحقيقية هم أصحاب القلوب النظيفة
الشاب الذى يريد زوجة تعينه على طاعة الله
والفتاة التى تحلم ببيت هادئ وزوج يحترمها ويصونها
هؤلاء أصبحوا يضيعون وسط ضجيج العلاقات المزيفة والكلمات المعسولة والحسابات الوهمية والوعود التى تنتهى بمجرد تحقيق المصلحة
إن مجتمعا يفقد ثقته بين الرجل والمرأة لا يخسر الزواج فقط بل يخسر الأسرة ويخسر الأطفال قبل أن يولدوا ويخسر الاستقرار الذى تقوم عليه الأمم.
ولذلك فإن إنقاذ الزواج لن يكون فقط بتيسير المهور أو بناء المزيد من المساكن بل بإعادة الاعتبار للقيم التى جعلها الإسلام أساس العلاقة الزوجية الصدق والأمانة وغض البصر والعفة وتحمل المسؤولية واحترام المرأة واحترام الرجل والبحث عن شريك حياة لا عن متعة مؤقتة أو منفعة عابرة
فحين تعود الثقة سيعود الزواج كما أراده الله سكنًا ورحمة ومودة لا ساحة للشك والخوف والخداع
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق