الأحد، 27 سبتمبر 2026

أطفالنا لا يحتاجون آباءً مثاليين… بل آباءً حاضرين

بقلم: وفاء بركات
ليس كل غيابٍ يُقاس بعدد الساعات التي نقضيها بعيدًا عن البيت، وليس كل حضور يعني أننا كنا موجودين بالفعل.
قد يجلس الأب بجوار أبنائه لساعات، بينما عيناه معلقتان بالهاتف، وقد تكون الأم في المنزل طوال اليوم، لكنها منشغلة بعشرات التفاصيل التي لا تنتهي… وفي وسط كل ذلك، قد يكون هناك طفل يحاول فقط أن يقول: «أنا محتاجكم.»
نحن نعيش في زمن أصبحت فيه المسؤوليات كثيرة، والضغوط أكبر، والوقت أقل. ومع ذلك، يظل هناك احتياج إنساني لا يتغير مهما تغير الزمن: احتياج الطفل إلى والديه.
أطفالنا لا يحتاجون آباءً مثاليين.
لا يحتاجون أبًا لا يخطئ، ولا أمًا تعرف دائمًا ماذا تقول ومتى تقول. لا يحتاجون بيتًا يخلو من الخلافات أو حياةً بلا مشكلات.
هم فقط يحتاجون أن يشعروا أنهم مرئيون، مسموعون، ومحبوبون.
فالطفل الذي يعود من المدرسة ويحكي تفاصيل تبدو لنا بسيطة، قد لا يكون يبحث عن إجابة بقدر ما يبحث عن اهتمام.
والطفلة التي تصمت فجأة، قد لا تحتاج إلى تحقيق طويل، بقدر ما تحتاج إلى عين تلاحظ تغيرها وتسألها بحنان: «مالك؟»
وفي كثير من الأحيان، لا يحتاج أبناؤنا إلى حلول جاهزة بقدر ما يحتاجون إلى أن نجلس بجوارهم ونقول:
«أنا سامعك… احكيلي.»
قد تبدو هذه الجملة عادية، لكنها بالنسبة لطفل يشعر أن لا أحد يفهمه، قد تكون بابًا للأمان.
والأخطر من غيابنا الجسدي، هو أن نكون حاضرين بأجسادنا وغائبين عن تفاصيلهم.
أن نعرف درجاتهم الدراسية، لكن لا نعرف ما الذي يخيفهم.
أن نشتري لهم ما يحتاجونه، لكن لا نعرف ما الذي يحزنهم.
أن نسألهم: «أكلت؟ ذاكرت؟ نمت؟» ولا نسألهم أحيانًا: «إنت كويس؟»
التربية ليست توفير الاحتياجات المادية فقط، وليست أوامر ونواهي وعقابًا ومكافأة.
التربية علاقة.
والعلاقة تحتاج وقتًا، وحوارًا، واستماعًا، واحتواءً.
وهذا لا يعني أن نترك أبناءنا بلا حدود أو أن نوافق على كل تصرفاتهم. الطفل يحتاج إلى الحزم كما يحتاج إلى الحنان، ويحتاج إلى أن يعرف أن لكل اختيار نتيجة.
لكن هناك فرقًا كبيرًا بين أن نصحح سلوك الطفل، وبين أن نجعله يشعر أنه غير محبوب بسبب خطئه.
قولنا للطفل: «اللي عملته غلط» شيء.
وقولنا له: «إنت دايمًا غلطان ومش هتتغير» شيء آخر تمامًا.
الأولى تصحح سلوكًا، أما الثانية فقد تترك جرحًا في شخصية طفل ما زال يتعلم كيف يرى نفسه.
ولعل أجمل ما يمكن أن نقدمه لأبنائنا ليس حياة خالية من الصعوبات، فهذا أمر لا يستطيع أحد أن يضمنه، وإنما أن نمنحهم يقينًا بسيطًا:
مهما حدث… هناك من يسمعني، وهناك من يقف بجانبي.
فالأبناء لن يتذكروا كل ما اشتريناه لهم، ولن يتذكروا كل مرة دفعنا فيها مصروفًا أو اشترينا هدية.
لكنهم قد يتذكرون أبًا ترك هاتفه ليصغي إلى حكايتهم.
وقد تتذكر ابنة حضن أمها في يوم كانت تبكي فيه دون أن تعرف كيف تشرح سبب بكائها.
وقد يتذكر ابن كلمة تشجيع قيلت له في لحظة كان يظن فيها أنه لا يستطيع.
هذه التفاصيل الصغيرة هي التي تبني داخل الطفل شيئًا كبيرًا اسمه الأمان.
وفي النهاية، لا أحد منا أب أو أم كامل.
نخطئ، ونتعب، ونغضب، ونعتذر، ونحاول من جديد.
لكن ربما السؤال الأهم ليس: «هل أنا والد مثالي؟»
بل:
«هل أنا موجود فعلًا عندما يحتاجني طفلي؟»
لأن أطفالنا لا يحتاجون منا أن نكون بلا أخطاء…
هم فقط يحتاجون أن نكون حاضرين.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot