الأحد، 27 سبتمبر 2026

الليزر والتطور الطبي خلال العشر سنوات القادمة

م.طلال عبد الرحمن موسى صالح 

الاتحاد الدولى لرجال الأعمال والمستثمرين العرب بالخارج - 
مستشار اقتصادي 



لم يعد الليزر مجرد تقنية متخصصة داخل غرف العمليات أو عيادات الجلدية، بل أصبح أحد المكونات المهمة في منظومة الطب الحديث، مع امتداد تطبيقاته إلى الجراحة وطب العيون والمسالك البولية والأورام والجلدية وطب الأسنان والتشخيص والعلاج الضوئي. ومع التسارع الكبير في تطور التكنولوجيا الطبية، تبدو السنوات العشر القادمة مرشحة لمرحلة جديدة ينتقل فيها الليزر من كونه أداة علاجية متقدمة إلى جزء من منظومات طبية أكثر ذكاءً ودقة وتكاملًا.

وتشير المراجعات العلمية المنشورة في دوريات متخصصة إلى أن الاستخدامات الطبية لليزر تتوسع باستمرار، مستفيدة من إمكانية التحكم الدقيق في الطول الموجي والطاقة وزمن النبضة وطريقة توصيل الضوء إلى النسيج. كما تتجه الأبحاث الحديثة إلى دمج تقنيات الليزر مع الألياف الضوئية والتصوير الطبي والأنظمة الروبوتية والذكاء الاصطناعي، بما يفتح المجال أمام إجراءات أكثر دقة وتخصيصًا وفق خصائص كل حالة.

وتعكس الأرقام هذا التوسع بصورة واضحة؛ فقد أظهرت بيانات منشورة عن استخدام الليزر في المستشفيات الألمانية، استنادًا إلى تقارير امتدت تسع سنوات، زيادة مستمرة في العدد التراكمي للحالات التي استخدمت فيها تقنيات الليزر، مع اختلاف معدلات النمو بين التخصصات، وهو ما يدعم مكانة الليزر المتزايدة كأداة في الممارسة الطبية الحديثة.

وعلى مستوى السوق العالمي، تشير أحدث تقديرات منشورة في عام 2026 إلى أن سوق الليزر الطبي العالمي بلغ نحو 5.83 مليار دولار في عام 2025، مع توقعات بوصوله إلى نحو 14.88 مليار دولار بحلول عام 2034، بمعدل نمو سنوي مركب يقارب 11.46% خلال الفترة المتوقعة. وهذه الأرقام تمثل تقديرات سوقية وليست نتائج سريرية، ولذلك فهي تعكس اتجاهات الاستثمار والطلب المتوقع أكثر مما تثبت فعالية علاج طبي بعينه.

كما قدرت دراسة سوقية أخرى حجم السوق العالمي بنحو 4.8 مليار دولار في عام 2023، وتوقعت وصوله إلى 8.3 مليار دولار بحلول عام 2028، بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ نحو 11.5%. وقد تختلف تقديرات مؤسسات أبحاث السوق بسبب اختلاف تعريف السوق والمنهجيات والفترات الزمنية، إلا أن الاتجاه العام لهذه الدراسات يشير إلى توسع مستمر في قطاع الليزر الطبي وزيادة الاهتمام بالاستثمار في تقنياته وتطبيقاته.

ولا يرتبط هذا النمو بالأجهزة وحدها، بل بالتطور العلمي الذي يقودها. فالمراجعات الحديثة لتقنيات الليزر الطبي تشير إلى أن المرحلة القادمة ستتأثر بصورة خاصة بتطور مصادر الليزر فائقة السرعة، وأنظمة التوصيل بالألياف، والتصوير الموجّه، والأنظمة الروبوتية، وتحسين بعض معايير العلاج بالاعتماد على الذكاء الاصطناعي. والهدف هنا ليس إنتاج ليزر أكثر قوة فحسب، وإنما الوصول إلى تفاعل أكثر دقة وتحكمًا مع الأنسجة، وإجراءات أكثر قابلية للتكرار، وحلول علاجية أكثر ملاءمة للخصائص الفردية للمريض.

ومن المتوقع خلال العقد القادم أن يزداد التركيز على الإجراءات الأقل تدخلًا، التي تستهدف الأنسجة بدقة أكبر مع تقليل التأثير على الأنسجة المحيطة وتقليل فترة التعافي. كما سيزداد الاهتمام بدمج الليزر مع تقنيات التصوير الطبي، بحيث يمكن تحديد النسيج المستهدف بصورة أكثر دقة أثناء الإجراء، إلى جانب توظيف الذكاء الاصطناعي في تحليل الصور والبيانات والمساعدة في ضبط بعض معايير العلاج، مع بقاء القرار الطبي والمسؤولية السريرية لدى المختص.

وفي الوقت نفسه، يمثل تطور الليزر فائق السرعة أحد الاتجاهات العلمية المهمة، خصوصًا مع إمكانية استخدام النبضات القصيرة جدًا لتحقيق تفاعل أكثر تحكمًا مع الأنسجة في بعض التطبيقات المتقدمة. ومع تطور هذه التقنيات، من المرجح أن ينتقل تقييم أنظمة الليزر الطبية من التركيز على مواصفات الجهاز وحدها إلى تقييم المنظومة بأكملها؛ من الجهاز والتطبيق السريري إلى التدريب والسلامة والصيانة والمستلزمات والبيانات والنتائج الطبية والاقتصادية.

وعلى المستوى الإقليمي، يمثل السوقان المصري والسوداني مجالًا مهمًا لمتابعة تطور تطبيقات الليزر الطبية خلال السنوات القادمة، وإن كان لكل سوق خصائصه واحتياجاته المختلفة. ففي مصر، يتزايد الاهتمام بتطبيقات الليزر في عدد من التخصصات الطبية، بما في ذلك الجلدية والتجميل وطب الأسنان والجراحة والمسالك البولية وطب العيون، بالتزامن مع توسع القطاع الطبي وارتفاع الاهتمام بالتقنيات والأجهزة الطبية المتقدمة. أما السودان، فتوجد فرص لتطوير استخدامات الليزر الطبي في عدد من التخصصات والخدمات الصحية، مع أهمية مراعاة احتياجات السوق والبنية الصحية والتدريب والصيانة وتوفير الدعم الفني عند إدخال هذه التقنيات. ويمثل التكامل بين الخبرات والتكنولوجيا والخدمات بين مصر والسودان فرصة مهمة لتطوير المشروعات الطبية ونقل التكنولوجيا وبناء الشراكات، مع ضرورة دراسة احتياجات كل سوق بصورة مستقلة قبل اختيار التكنولوجيا أو النموذج الاستثماري المناسب.

وهنا تظهر نقطة جوهرية؛ فالتطور التكنولوجي لا يعني أن جميع تطبيقات الليزر أصبحت مثبتة بالدرجة نفسها، إذ لا تزال بعض التطبيقات بحاجة إلى مزيد من الدراسات السريرية، كما تظل السلامة والتدريب والاشتراطات التنظيمية والتكلفة عوامل أساسية عند إدخال أي تقنية جديدة إلى الممارسة الطبية. ولذلك فإن مستقبل الليزر لن يكون بالضرورة للأجهزة الأكثر تطورًا، وإنما للتكنولوجيا التي تستطيع إثبات قيمتها السريرية والاقتصادية والتشغيلية في البيئة التي ستستخدم فيها.

وهذا التحول يخلق في الوقت نفسه فرصًا جديدة أمام المستشفيات والمراكز الطبية والمستثمرين، لكنه يطرح سؤالًا أكثر أهمية من مجرد شراء أحدث جهاز: كيف يتم تحديد التكنولوجيا المناسبة من بين عشرات الأنظمة والشركات والتطبيقات؟ وكيف يمكن تقييم احتياج السوق، وتحديد النموذج التشغيلي والاستثماري المناسب، وربط التكنولوجيا بالقدرة الفعلية على التشغيل والاستدامة والنمو؟

من هنا يأتي دور شركة طلال لخدمات الليزر والتنمية المحدودة، التي تنظر إلى تكنولوجيا الليزر ليس باعتبارها جهازًا يتم شراؤه، وإنما باعتبارها جزءًا من مشروع متكامل يبدأ بفهم الاحتياج الطبي والسوق، ثم تحديد التكنولوجيا المناسبة، ودراسة الخيارات المتاحة، والوصول إلى الشركات والمصنعين والموردين المناسبين، وتقييم متطلبات المشروع، ودعم تطويره وصولًا إلى التنفيذ والتشغيل والنمو.

كما تمتد رؤية الشركة إلى تطوير الأعمال وفتح الأسواق وبناء الشراكات بين الشركات والجهات والمستثمرين، بما يساهم في ربط التكنولوجيا الطبية بالفرص الاستثمارية والأسواق الجديدة، ودعم نقل التكنولوجيا وبناء قدرات وخدمات طبية متقدمة في الأسواق التي تحتاج إلى مثل هذه الحلول.

وبذلك فإن القيمة الحقيقية خلال السنوات العشر القادمة لن تكون في امتلاك أحدث تقنيات الليزر فحسب، وإنما في القدرة على فهمها واختيار المناسب منها وتوظيفها بصورة صحيحة داخل مشروع قادر على تحقيق قيمة طبية واقتصادية مستدامة.

فالسؤال الذي سيحدد مستقبل الاستثمار في الليزر الطبي لن يكون فقط: ما أحدث جهاز ليزر؟ وإنما: ما التكنولوجيا التي يحتاجها السوق؟ وما التطبيق الذي يحقق قيمة طبية حقيقية؟ وكيف يمكن تحويل هذه التكنولوجيا إلى مشروع مستدام وقابل للنمو؟

وهنا تكمن المسافة بين امتلاك التكنولوجيا والقدرة على توظيفها لصناعة المستقبل.

شركة طلال لخدمات الليزر والتنمية المحدودة
خبرة في تكنولوجيا الليزر… ورؤية في تطوير المشروعات والأسواق.

م.طلال عبد الرحمن موسى 
الاتحاد الدولى لرجال الأعمال والمستثمرين العرب بالخارج - 
مستشار اقتصادي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot