بقلم/ امل صالح سليم
لم يعد أخطر ما في مواقع التواصل الاجتماعي هو إضاعة الوقت بل تحول بعضها إلى أسواق سوداء للمشاعر حيث تباع الثقة ويشترى الوهم ويصبح القلب هو الطعم والمال هو الغنيمة
لم تعد قصص النصب الإلكتروني تبدأ برسالة تطلب تحويل أموال بل تبدأ بصورة جذابة وكلمات رقيقة ورسالة صباح الخير ثم اهتمام مبالغ فيه وبعدها وعود بالحب والزواج أو النجاح والثراء... حتى يكتشف الضحية أنه لم يكن حبيبا بل "فريسة" تم اصطيادها باحتراف.
المثير للقلق أن هذه الظاهرة لم تعد حكرا على فئة واحدة. فهناك بعض السيدات اللاتي حولن العلاقات الإلكترونية إلى وسيلة للكسب غير المشروع فيقتربن من بعض الرجال ويصنعن علاقة عاطفية وهمية ثم تبدأ طلبات المساعدة المالية والهدايا والتحويلات وإذا حاول الضحية التراجع يجد نفسه أمام صور أو تسجيلات صوتية أو محادثات خاصة تستخدم كورقة ضغط لإجباره على الصمت أو الاستمرار في الدفع.
وفي المقابل ظهر أيضا بعض المحتالين من الرجال الذين أتقنوا لعبة المشاعر فيدخلون إلى حياة الفتيات والسيدات بأسماء وصور قد تكون مزيفة ويرسمون أحلام الزواج أو يدّعون امتلاك شركات واستثمارات أو يروجون لجوائز وهمية وفرص سفر لا وجود لها حتى تقع الضحية في دائرة الاحتيال أو الابتزاز.
الأخطر في هذه الجرائم أن الضحية غالبا لا يتحدث. فالخوف من الفضيحة أو الشعور بالخجل أو القلق من نظرة المجتمع يدفع الكثيرين إلى الصمت فيخرج المحتال منتصرا ويبدأ رحلة البحث عن ضحية جديدة.
هنا المحتال الإلكتروني لا يعتمد على الذكاء التقني فقط بل يعتمد قبل كل شيء على قراءة احتياجات الإنسان فهو يبحث عن شخص يشعر بالوحدة أو يمر بأزمة أو يفتقد الاهتمام ثم يمنحه جرعات متتالية من الكلمات التي يريد سماعها حتى يربح ثقته بالكامل وهنا يصبح الاحتيال مسألة وقت لا أكثر.
أما خبراء الأمن السيبراني فيشيرون إلى أن المحتالين يطورون أساليبهم باستمرار مستخدمين حسابات مزيفة وصورًا مسروقة وتقنيات تجعل اكتشافهم أكثر صعوبة بينما يبقى السلاح الأقوى في مواجهتهم هو الوعي وعدم الانجراف وراء العواطف السريعة.
والسؤال الذي يفرض نفسه كيف أصبح البعض يتاجر بالمشاعر دون أي وازع أخلاقي؟
الإجابة تكمن في أن العالم الرقمي منح المحتال فرصة لإخفاء هويته الحقيقية بينما منح الضحية شعورا زائفا بالأمان خلف الشاشة قد يكون الشخص الذي يحدثك مختلفا تماما عن الصورة التي رسمها لنفسه.
لذلك لا تثق في علاقة تبدأ بطلب المال ولا في شخص يطلب صورا أو تسجيلات خاصة بحجة الحب ولا في حساب يعدك بالزواج قبل أن تعرف صاحبه معرفة حقيقية فالمشاعر الصادقة لا تحتاج إلى تحويلات بنكية والحب الحقيقي لا يبتز ولا يهدد ولا يتاجر بكرامة من يدعي أنه يحبه.
لقد أصبحت جرائم الابتزاز العاطفي واحدة من أخطر الجرائم الإلكترونية في العصر الحديث لأنها لا تسرق الأموال فقط بل تسرق الثقة وتحطم النفوس، وتترك وراءها ضحايا يخجلون من رواية ما حدث لهم.
ويبقى السؤال الذي يجب أن يطرحه كل مستخدم لمواقع التواصل قبل أن يضغط زر "إرسال": هل أتحدث مع إنسان صادق... أم مع محترف يجيد ارتداء قناع الحب؟
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق