الأحد، 26 يوليو 2026

حين تصبح الصداقة الرقمية قناعا... أسرار تباع وهموم تُتداول



بقلم/ امل صالح سليم


في عالم مواقع التواصل الاجتماعي وخاصة داخل غرف الدردشة الصوتية تتكون علاقات بسرعة مذهلة. ساعات طويلة من الحديث وضحكات مشتركة ورسائل خاصة حتى يظن البعض أنه وجد أصدقاء أوفياء يعرفونه أكثر من أقرب الناس إليه. لكن السؤال الذي يفرض نفسه هل كل من يبتسم لك عبر الشاشة صديق فعلا؟
الحقيقة أن عالم التواصل الإلكتروني يختلف كثيرا عن الواقع فهناك صداقات حقيقية لا يمكن إنكارها لكنها تظل الاستثناء بينما يتحول كثير من العلاقات إلى مجرد مصالح مؤقتة أو فضول أو رغبة في معرفة أخبار الآخرين.
داخل بعض غرف الدردشة قد تجد شخصا يمدحك أمام الجميع ثم ينتقل إلى غرفة أخرى ليصبح حديثه عنك مختلفا تماما وما تعتبره سرا بين صديقين قد يتحول في اليوم التالي إلى مادة للنقاش بين أشخاص لم تسمع بأسمائهم من قبل فغياب المواجهة المباشرة وسهولة التنقل بين المجموعات جعلا نقل الكلام والأسرار ظاهرة تتكرر في بعض المجتمعات الإلكترونية.
والأخطر من ذلك أن البعض يخلط بين كثرة المتابعين أو المتحدثين معه وبين الصداقة الحقيقية فيشعر بالأمان ويحكي تفاصيل حياته وخلافاته الأسرية ومشكلاته المالية وحتى أسراره الخاصة معتقدًا أنه بين أشخاص يحبونه قبل أن يكتشف أن هذه المعلومات أصبحت وسيلة للثرثرة أو السخرية أو حتى للضغط عليه عند أول خلاف.
كما أن الغيرة أصبحت وجها خفيا في كثير من العلاقات الرقمية فنجاح شخص أو زيادة شعبيته داخل غرفة دردشة قد يدفع البعض إلى تشويه صورته أو نشر الشائعات عنه أو محاولة إبعاده عن الآخرين إنها منافسة لا وجود لها في الواقع لكنها تستهلك الكثير من الوقت والطاقة وتخلق عداوات لا مبرر لها.
المشكلة ليست في التكنولوجيا ولا في غرف الدردشة نفسها بل في طريقة استخدام البعض لها فهناك من يدخل بحثا عن المعرفة أو الترفيه أو تكوين علاقات محترمة وهناك من يجعل نقل الكلام وإشعال الخلافات وجمع الأسرار هواية يومية.
ولهذا فإن الحكمة تفرض علينا ألا نعطي ثقتنا بسرعة وألا نجعل حياتنا الخاصة موضوعا للنقاش مع أشخاص لا نعرف عنهم سوى اسم مستعار وصوت عبر الهاتف. فالصديق الحقيقي لا يُقاس بعدد الساعات التي يقضيها معك في غرفة صوتية بل بقدرته على حفظ سرك واحترام غيابك والدفاع عنك كما يحترم وجودك.
في النهاية تذكر أن العالم الافتراضي مليء بالوجوه لكنه ليس مليئا دائما بالأصدقاء فليس كل من يناديك "يا صديقي" يحمل لك الود وليس كل من يجلس معك لساعات يستحق أن يعرف تفاصيل حياتك. فاحفظ أسرارك واختر من تمنحه ثقتك بعناية لأن الكلمة التي تخرج في لحظة ثقة قد تعود إليك يوما كسلاح في لحظة خلاف.
ففي زمن أصبحت فيه العلاقات تبنى بضغطة زر لا تجعل ثقتك تمنح بضغطة زر أيضا فبعض الأصدقاء مجرد أسماء مستعارة وبعض الابتسامات أقنعة وبعض الغرف لا تحفظ الأسرار... بل تتغذى عليها.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot