السبت، 25 يوليو 2026

تفكيك "الاستقطاب الوجداني": كيف تشوه الدراما المعاصرة الوعي وتصنع "أبطال الشاشات المنفصلين عن الواقع؟

بقلم السيناريست وليد عبدالنبي 

أزمة النص بين مجاز السطح وتزييف العمق
تُمرر الدراما التلفزيونية والسينمائية المعاصرة تحولات بنيوية لم تعد تقتصر على مجرد التسلية أو بناء الحبكة التقليدية، بل تجاوزت ذلك إلى *"تفكيك البنية الأخلاقية والنفسية للمشاهد*". إن الإشكالية الكبرى في المنتج الدرامي الراهن لا تكمن في "ضعف الصنعة"، بل في 
"تزييف الوعي" عبر صناعة نماذج درامية تعاني من انفصام قيمي حاد، تُقدَّم للجمهور باعتبارها نماذج للحرية، أو الوعي، أو العصرنة، بينما هي في جوهرها تعبير عن خواء نفسي وتشتت أخلاقي.

 *1. "الاستقطاب الوجداني" وصناعة الشخصية الحادية (Borderline Characters)*
في الدراما الكلاسيكية، كان الصراع بين الخير والشر واضحاً، وكان للبطل مبرراته النفسية والاجتماعية المفهومة. أما في الدراما المعاصرة، فنحن أمام ظاهرة "الاستقطاب الوجداني"
 *الانفصام بين القول والفعل: تُكتب الشخصية بطريقة تجعلها تتبنى شعارات ملائكية (كالدفاع عن الحقوق، أو السلام، أو النضال الاجتماعي) في الحوار (Dialogue)، بينما تأتي أفعالها في خط سير الأحداث (Action) محملة بالنرجسية، والقسوة، وتفريغ الآخر من إنسانيته.
 * **تجميل الانحراف:* لم تعد الدراما تكتفي بإظهار الشرير كشرير، بل أصبحت تُمارس "تلميعاً درامياً" للقسوة، وتُبرر العقوق، والقطيعة، والتشفّي، تحت مسميات "التعافي الذاتي" أو "رسم الحدود الشخصية".
2. أزمة "المونولوج الأخلاقي" وموت الصراع الداخلي
من منظور درامي ونفسي، كانت القوة الحقيقية لأي سيناريو تكمن في **الصراع الداخلي (Internal Conflict)*؛ أي تلك اللحظة التي يقف فيها البطل أمام ضميره.
 *غياب الندم الدرامي:* في كتابة الدراما المعاصرة، تم استبدال الصراع الداخلي بـ *المعاقبة الخارجية* أصبحت الشخصية ترتكب أبشع الجرائم الأخلاقية أو الإنسانية دون أن تمر بلحظة مراجعة واحدة، وكأن الكاتب يُعفي البطل من كلفة الضمير!
 *الشخصيات الأحادية (Flat Figures) في أزياء معقدة:* يُخيّل للمشاهد أن الشخصية معقدة لأنها تتحدث بلغة عالية أو تحمل ألقاباً براقة، لكنها عند التفكيك الدرامي مجرد "قناع" لا يحمل أي عمق إنساني حقيقي، مما يخلق لدى المشاهد حالة من التبلد الانفعالي (Emotional Blunting).

3. التحول البنيوي: بين أصالة البناء التطهيري وتطبيع القسوة الاستهلاكي
تتجلى الفجوة العميقة بين الأصالة والسطحية في المنتج الدرامي الراهن من خلال تفكيك ثلاثة أركان رئيسية لبناء النص:
 *مُحرّك الأحداث واستجابة الشخصية:*
   في الدراما الإنسانية الراسخة، تنبع الأحداث من *قوس التحول الداخلي للشخصية (Character Arc) حيث تتطور القرارات بناءً على صراع نفسي ودوافع واقعية تتشكل وتكتوي بالاحداث. أما في الدراما المعاصرة، فقد تم استبدال هذا التطور العميق بالاعتماد على **الصدمات المفتعلة والتغيرات المفاجئة في سير الحبكة*، فقط لإثارة دهشة المشاهد وقتياً دون تأسيس بنيوي حقيقي.
 اختبار الأخلاق تحت ضغط النص:
   كانت الدراما الكلاسيكية تضع الشخصية في مأزق أخلاقي لتختبر جوهرها الإنساني؛ فتُكشف المبادئ الحقيقية وسط الضغوط. في المقابل، تُعامل الدراما المعاصرة الأخلاق والمبادئ باعتبارها "أقنعة وشعارات خارجية يرتديها البطل ليخاطب بها الجمهور، بينما تنفصل أفعاله كلياً عن تلك الشعارات في أول اختبار عملي.
*الغايات النهائية والحدث التطهيري (Catharsis):*
   تسعى الدراما الحقيقية دائماً للوصول بالمشاهد إلى لحظة *التطهير النفسي وفهم أعمق للذات والنفس البشرية بكل تناقضاتها. في حين تُسقِط الدراما الاستهلاكية هذا الهدف التطهيري لتكتفي بـ الإثارة الوقتية*، وصناعة المشاهد الصادمة، مما يؤدي بالتبعية إلى تطبيع القسوة والجفاء وجعل التجاوز الأخلاقي أمراً عادياً في الوعي الجمعي.
خاتمة رؤية سينمائية: نحو استعادة "الإنسان" في النص الدرامي
إن تفكيك الدراما المعاصرة يكشف عن الحاجة الماسّة إلى *العودة للدراما الإنسانية التشكيلية* تلك التي لا تكتفي بتقديم الإنسان في صورته السطحية أو شعاراته المضللة، بل تسبر غور تناقضاته الحقيقية، وتُظهر أن السقوط الأخلاقي ليس شجاعة، وأن قسوة القلب ليست قوة.
إن السيناريو الحقيقي القوي هو الذي يعيد للمشاهد بوصلته الوجدانية، ويذكره بأن قيمة الإنسان تتحدد بما يمارسه في واقع دائرة علاقاته القريبة، لا بما ينادي به على منصات الاستعراض.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot