✍️ بقلم:
أ/ هبة رأفت
أستاذة علم النفس التربوي والتربية الخاصة والإرشاد الأسري
مستشارة العلاقات الدبلوماسية وحقوق الإنسان
الغيرة بين الأخوات أو الإخوة من المشاعر الطبيعية التي قد تظهر في مراحل النمو المختلفة، لكنها تصبح مشكلة حقيقية عندما تستمر لفترات طويلة أو تتغذى بسبب أسلوب التربية أو المعاملة غير المتوازنة داخل الأسرة. فالطفل لا يولد وهو يكره أخاه أو أخته، وإنما قد يتعلم هذا الشعور عندما يشعر أن الحب أو الاهتمام أو التقدير يتم توزيعه بعدل غير متكافئ.
في علم النفس، يحتاج كل طفل إلى الشعور بأنه محبوب ومقبول لذاته، وليس لأنه أكثر تفوقًا أو أكثر هدوءًا أو أكثر طاعة. وعندما يشعر أحد الأبناء بأن أخاه يحظى باهتمام أكبر أو مدح أكثر أو معاملة أفضل، يبدأ في مقارنة نفسه به، فتظهر مشاعر الغيرة والحزن والإحباط، وقد تتحول مع الوقت إلى عدوان أو انسحاب أو فقدان الثقة بالنفس.
ومن أكثر الأسباب التي تزيد الغيرة بين الأخوات المقارنة المستمرة بين الأبناء، وتفضيل أحدهم في المعاملة أو الهدايا، والثناء على طفل أمام إخوته بطريقة تقلل من الآخرين، وتحميل أحد الأبناء مسؤوليات لا تتناسب مع عمره، أو وصف طفل بأنه "الأذكى" أو "الأجمل" أو "الأفضل". هذه العبارات قد تبدو بسيطة لكنها تترك آثارًا نفسية عميقة.
ولا تتوقف آثار الغيرة عند الجانب النفسي فقط، بل تمتد إلى التحصيل الدراسي. فالطفل الذي يشعر بأنه أقل قيمة قد يفقد دافعيته للتعلم، ويعتقد أنه مهما اجتهد فلن يحصل على نفس التقدير، فينخفض تركيزه ومستواه الدراسي. وعلى الجانب الآخر قد يدخل بعض الأطفال في منافسة غير صحية مع إخوتهم، فيصبح هدفهم التفوق على الأخ أو الأخت وليس التعلم أو النجاح.
كما قد تظهر الغيرة في صورة سلوكيات عدوانية مثل الضرب، أو تخريب ممتلكات الأخ أو الأخت، أو السخرية، أو نشر الأكاذيب، أو محاولة جذب الانتباه بالصراخ والعناد والمشكلات السلوكية. وبعض الأطفال لا يعبرون عن غيرتهم بالعدوان، بل ينسحبون ويشعرون بالحزن والوحدة، وقد تظهر لديهم أعراض القلق أو انخفاض تقدير الذات.
ويبدأ العلاج من داخل الأسرة، عندما يدرك الوالدان أن العدل لا يعني المساواة في كل شيء، وإنما يعني إعطاء كل طفل ما يناسب احتياجاته مع الحفاظ على شعوره بالمحبة والتقدير. كما يجب تجنب المقارنات بين الأبناء، والاحتفال بإنجازات كل طفل وفق قدراته، وتشجيع التعاون بينهم بدلًا من المنافسة المستمرة، ومنح كل طفل وقتًا خاصًا يشعر فيه باهتمام والديه.
ومن المهم أيضًا تعليم الأبناء التعبير عن مشاعرهم بطريقة صحية، والاستماع إليهم دون سخرية أو لوم، وتعزيز مهارات التعاطف والمشاركة بينهم، مع التدخل المبكر إذا تحولت الغيرة إلى عدوان أو أثرت في الدراسة أو العلاقات الأسرية.
فالأسرة التي يسودها الحب والعدل والاحترام تزرع في الأبناء الثقة والأمان، أما التفرقة والمقارنة فتزرع الغيرة والصراع. وعندما يشعر كل طفل بأنه مميز بطريقته، وأن مكانته محفوظة في قلب والديه، تقل مشاعر الغيرة وتتحول العلاقة بين الإخوة والأخوات إلى مصدر للدعم والمودة بدلاً من التنافس والعداء.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق