في عالم السياسة والاقتصاد، كثيرًا ما تنشغل الشعوب بالأحداث الكبيرة والقرارات المثيرة للجدل، بينما يغيب عن الاهتمام عامل أكثر أهمية على المدى الطويل: جودة الإدارة.
فالدول لا تنهض بالشعارات وحدها، ولا بالموارد الطبيعية فقط، بل بقدرة مؤسساتها على اتخاذ قرارات صحيحة وتنفيذها بكفاءة.
قد تمتلك دولة ثروات هائلة، لكنها تعاني من ضعف الإدارة فتتبدد الفرص وتتراكم المشكلات.
وفي المقابل، قد تكون دولة محدودة الموارد، لكنها تمتلك جهازًا إداريًا كفؤًا قادرًا على استغلال كل فرصة وتحويلها إلى قيمة حقيقية.
المشكلة أن أثر الإدارة الجيدة لا يظهر فورًا.
فهي لا تصنع عناوين مثيرة، ولا تخلق ضجة إعلامية يومية، لكنها تبني شيئًا أكثر أهمية: الاستمرارية.
فالطريق الذي يُصان بانتظام لا يلفت الانتباه، لكن الجميع يلاحظ عندما ينهار.
والمنظومة التي تعمل بكفاءة تبدو أمرًا عاديًا، إلى أن تتعطل.
ولهذا فإن كثيرًا من النجاحات التي تنسب إلى الحظ أو الموارد أو الظروف المواتية، يكون وراءها في الحقيقة عمل إداري طويل وصامت.
كما أن الإدارة السيئة لا تعني دائمًا الفساد أو الإهمال المباشر.
أحيانًا تكون المشكلة في غياب التخطيط، أو ضعف المتابعة، أو اختيار أشخاص غير مؤهلين لمواقع تحتاج إلى خبرة وكفاءة.
وهنا تبدأ الخسائر التي لا تُرى فورًا.
مشروعات تتأخر، وموارد تُهدر، وفرص تضيع، ثم يكتشف الجميع بعد سنوات أن الثمن كان أكبر بكثير مما تصوروا.
ولهذا فإن الاستثمار الحقيقي لا يكون في المباني والآلات فقط، بل في بناء كوادر قادرة على الإدارة والتخطيط واتخاذ القرار.
فالأمم لا تتقدم لأن لديها موارد أكثر من غيرها، بل لأنها تدير ما لديها بشكل أفضل.
قد تصنع الأموال مشروعًا، وقد تبني الموارد مصنعًا، لكن الإدارة الجيدة هي التي تضمن أن يستمر المشروع وأن يعمل المصنع وأن تتحول الإمكانات إلى نتائج حقيقية يشعر بها الناس.
بقلم د نهي غانم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق