في كل جيل، تظهر تقنية جديدة يعتقد البعض أنها ستغيّر العالم بالكامل.
لكن التاريخ يثبت أن التكنولوجيا وحدها لا تغيّر شيئًا إذا لم تتغير طريقة استخدام البشر لها.
فالإنترنت لم يصنع المعرفة تلقائيًا، رغم أنه أتاح الوصول إليها.
والهواتف الذكية لم تجعل الناس أكثر إنتاجية بالضرورة، رغم أنها وفرت أدوات لم تكن متاحة من قبل.
والذكاء الاصطناعي، رغم قدراته الهائلة، لن يصنع التقدم وحده.
الأداة تظل مجرد أداة.
الفارق الحقيقي يظهر فيمن يعرف كيف يستخدمها، وكيف يوظفها لحل المشكلات وخلق قيمة جديدة.
ولهذا نرى أن التقنية نفسها قد تكون سببًا في نجاح شخص، وسببًا في ضياع وقت شخص آخر.
فالأمر لا يتعلق بما نملكه من أدوات، بل بما نفعله بها.
المشكلة أن كثيرًا من الناس ينبهرون بالتكنولوجيا أكثر من اهتمامهم ببناء المهارات التي تسمح بالاستفادة منها.
فيشترون أحدث الأجهزة، ويتابعون أحدث التطبيقات، لكنهم لا يستثمرون بالقدر نفسه في التعلم والتطوير.
والنتيجة أن الفجوة لا تصبح بين من يملك التكنولوجيا ومن لا يملكها، بل بين من يعرف كيف يستخدمها ومن يكتفي بمشاهدتها.
والأمر نفسه ينطبق على الدول.
فاستيراد أحدث المعدات أو الأنظمة لا يكفي وحده لتحقيق التنمية.
ما يصنع الفارق هو وجود كوادر قادرة على تشغيل هذه التقنيات وتطويرها وتحويلها إلى منتجات وخدمات وفرص عمل.
ولهذا فإن الأمم التي تتقدم ليست دائمًا الأكثر إنفاقًا على التكنولوجيا، بل الأكثر قدرة على تحويل التكنولوجيا إلى إنتاج ومعرفة وقيمة اقتصادية.
لم تكن القوة يومًا في امتلاك الأداة فقط،
بل في امتلاك العقل الذي يعرف كيف يستخدمها.
فالتاريخ لا يتذكر كثيرًا من امتلكوا الوسائل،
بل يتذكر من أحسنوا استغلالها وصنعوا بها فرقًا حقيقيًا.
بقلم د نهي غانم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق