من أخطر ما يمكن أن يصيب أي فرد أو مؤسسة أو دولة هو الاعتياد على التراجع.
فالأزمات الكبيرة تلفت الانتباه وتدفع الناس إلى التحرك، أما التراجع البطيء فيمر غالبًا دون مقاومة حقيقية، لأن الجميع يعتاد عليه تدريجيًا.
في البداية يلاحظ الناس المشكلة ويعترضون عليها.
ثم يتأقلمون معها.
ثم تصبح جزءًا من الواقع اليومي.
وبعد فترة، ينسى كثيرون أن الوضع كان أفضل من قبل.
وهنا تكمن الخطورة.
فالإنسان يملك قدرة كبيرة على التكيف، وهي نعمة في أوقات الشدائد، لكنها قد تتحول إلى مشكلة عندما تجعله يتقبل أوضاعًا كان سيرفضها بشدة في الماضي.
ولهذا فإن بعض المؤسسات لا تنهار فجأة.
بل تتراجع خطوة صغيرة كل عام.
انخفاض بسيط في الكفاءة، تأخير بسيط في الإنجاز، ضعف بسيط في المعايير.
وكل خطوة تبدو غير مؤثرة بمفردها، لكن النتيجة النهائية بعد سنوات تكون مختلفة تمامًا.
الأمر نفسه يحدث في حياة الأفراد.
فالنجاح لا يضيع عادة بسبب قرار كارثي واحد، بل بسبب سلسلة من التنازلات الصغيرة.
ساعة أقل من التعلم،
وقليل من الإهمال،
وتأجيل متكرر للأهداف،
ثم يتحول الاستثناء إلى عادة.
المشكلة أن العقل يعتاد كل شيء تقريبًا.
ولهذا فإن الحفاظ على المعايير لا يقل أهمية عن تحقيقها في المقام الأول.
فالمؤسسات الناجحة لا تراقب النتائج فقط، بل تراقب المؤشرات الصغيرة التي تسبق التراجع.
والأفراد الناجحون لا ينتظرون ظهور الأزمة، بل يصححون المسار عندما تكون المشكلة ما زالت في بدايتها.
لا يبدأ الانهيار عندما تسوء الأمور بشدة،
بل عندما يتوقف الناس عن ملاحظة أنها تسوء أصلًا.
لأن أخطر أنواع التراجع ليس التراجع نفسه،
بل أن يصبح التراجع أمرًا عاديًا لا يلفت انتباه أحد.
بقلم د نهي غانم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق