من خلال مبادرة "الثلاثاء في التحرير"
✍️ بقلم: طه المكاوي
في زمن تتغير فيه مفاهيم التعليم بوتيرة متسارعة، لم يعد نجاح الجامعات يقاس فقط بعدد الخريجين أو التصنيفات الأكاديمية، بل بقدرتها على إنتاج تجربة تعليمية حقيقية تصنع وعياً مختلفاً لدى الطلاب، وتربطهم بالمجتمع والتاريخ والواقع. ومن هنا، تبدو مبادرة "الثلاثاء في التحرير" التي أطلقتها الجامعة الأمريكية بالقاهرة أكثر من مجرد نشاط أكاديمي أو إعادة استخدام لحرم جامعي قديم، بل مشروع فكري وثقافي يعيد طرح سؤال جوهري: ما معنى أن تتعلم داخل مدينة حية مثل القاهرة؟
اللافت في هذه المبادرة أنها لا تتعامل مع حرم الجامعة التاريخي بميدان التحرير باعتباره مبنى تراثياً يجب الحفاظ عليه فقط، بل تعتبره جزءاً من العملية التعليمية نفسها. وهنا تكمن الفكرة الأهم؛ فالتعليم الحقيقي لا يُختزل في محاضرة أو كتاب، وإنما يتشكل أيضاً من علاقة الطالب بالمكان الذي يتعلم فيه، وبالناس الذين يلتقيهم، وبالأسئلة التي يفرضها الواقع من حوله.
لقد اعتادت الجامعات العربية لعقود طويلة على تقديم نموذج تعليمي مغلق، يعتمد على التلقين والحفظ والانفصال عن المجتمع. يدخل الطالب قاعة المحاضرات، يستمع إلى الأستاذ، يحفظ المقرر، ثم يغادر دون أن يشعر غالباً بأن ما يدرسه له علاقة مباشرة بالحياة خارج أسوار الجامعة. لكن العالم تغيّر، وسوق العمل تغيّر، وحتى مفهوم المعرفة نفسه تغيّر. واليوم، لم يعد المطلوب مجرد خريج يحمل شهادة، بل إنسان يمتلك القدرة على التفكير والتحليل والتفاعل مع الواقع.
ومن هذه الزاوية تحديداً، تبدو تجربة "الثلاثاء في التحرير" محاولة ذكية لإعادة بناء العلاقة بين الجامعة والمدينة. فحين يدرس الطالب العلوم السياسية داخل قلب القاهرة، بالقرب من مؤسسات الدولة ومراكز صنع القرار، فإن المفاهيم الأكاديمية تتحول أمامه إلى واقع ملموس. وحين يكتب طالب الأدب نصوصه من شرفة تطل على شوارع وسط البلد، يصبح المكان نفسه جزءاً من النص ومن التجربة الإبداعية.
الأمر هنا لا يتعلق بالرومانسية الثقافية أو الحنين إلى الماضي، بل بفلسفة تعليمية حديثة تدرك أن البيئة المحيطة بالطالب تؤثر في وعيه وتكوينه بقدر تأثير المناهج الدراسية وربما أكثر.
ولعل ما يميز حرم التحرير تحديداً أنه ليس مجرد مبنى جامعي عادي، بل مساحة تحمل ذاكرة سياسية وثقافية وفكرية كثيفة. فمن داخل هذه القاعات مرّت شخصيات كبرى مثل أم كلثوم وطه حسين وإدوارد سعيد، وشهد المكان نقاشات وتحولات وأحداثاً صنعت جزءاً من التاريخ الثقافي المصري الحديث.
وعندما يتحرك الطلاب اليوم داخل هذه المساحات، فهم لا يتعاملون فقط مع جدران قديمة، بل مع تاريخ حي يضعهم في حالة اتصال غير مباشر مع أجيال سابقة من المفكرين والباحثين والفنانين. وهذه القيمة تحديداً تفتقدها كثير من الجامعات الحديثة التي قد تمتلك أحدث التكنولوجيا، لكنها تفتقر إلى الروح والذاكرة والهوية.
الأهم من ذلك أن المبادرة تعكس فهماً عميقاً للدور الجديد الذي يجب أن تلعبه الجامعات في المجتمعات العربية. فالمؤسسات الأكاديمية لم تعد كيانات منفصلة عن المجتمع، بل يفترض أن تكون جزءاً من حركة المدينة وأسئلتها وتحدياتها. والجامعة التي تنغلق على نفسها تخسر تدريجياً قدرتها على التأثير والإلهام.
من هنا، فإن إعادة إحياء حرم التحرير تحمل أيضاً بعداً حضارياً وثقافياً مهماً. فالقاهرة التاريخية ليست مجرد منطقة قديمة، بل مخزون هائل من الذاكرة الإنسانية والمعمارية والفكرية. وعندما تعيد مؤسسة تعليمية كبرى توظيف هذا الفضاء داخل مشروع أكاديمي معاصر، فإنها تسهم عملياً في حماية المدينة من التحول إلى مجرد متحف صامت أو منطقة استهلاكية فاقدة للروح.
كما أن هذه الخطوة تعيد الاعتبار لفكرة "المدينة التعليمية"، أي المدينة التي تتحول شوارعها ومبانيها وتاريخها إلى جزء من عملية التعلم. وهي فكرة مطبقة في العديد من العواصم الكبرى حول العالم، حيث لا تنفصل الجامعات عن المجال الحضري، بل تتفاعل معه يومياً.
وفي تقديري، فإن القيمة الحقيقية لهذه التجربة تكمن في بعدها الإنساني قبل الأكاديمي. فالطالب الذي يعيش تجربة تعليمية مرتبطة بالمجتمع يصبح أكثر وعياً بالمسؤولية العامة، وأكثر قدرة على فهم التحديات الواقعية، وأكثر استعداداً للمشاركة في صناعة المستقبل.
ولذلك لم يكن مفاجئاً أن يشعر الطلاب المشاركون في المبادرة بمسؤولية أكبر تجاه ما يقدمونه من أبحاث وأفكار. فحين يدرك الطالب أن عمله قد يصل إلى صانع قرار أو يساهم في مناقشة قضية عامة، فإنه يتعامل مع المعرفة بجدية مختلفة تماماً عن مجرد السعي للحصول على درجة أكاديمية.
وفي الحقيقة، نحن بحاجة ماسة في العالم العربي إلى هذا النوع من التعليم الذي يربط المعرفة بالفعل، والفكرة بالممارسة، والجامعة بالمجتمع. لأن أزمة التعليم في منطقتنا ليست فقط في المناهج أو الإمكانيات، بل في غياب المعنى الحقيقي للتعلم.
لقد خرّجت الجامعات العربية على مدار سنوات طويلة أعداداً ضخمة من الطلاب، لكن كثيرين منهم دخلوا سوق العمل وهم يفتقرون إلى مهارات التفكير النقدي والتواصل والعمل الجماعي والقدرة على حل المشكلات. والسبب أن التعليم كان في معظمه قائماً على الحفظ والتلقين، لا على التجربة والاكتشاف.
ومن هنا، فإن مبادرات مثل "الثلاثاء في التحرير" تمثل خطوة في الاتجاه الصحيح، لأنها تعيد للجامعة دورها كمكان لإنتاج الوعي لا مجرد منح الشهادات.
كما أن المبادرة تحمل رسالة مهمة تتعلق بالعلاقة بين التراث والحداثة. ففي كثير من الأحيان، نتعامل مع المباني التاريخية بوصفها عبئاً أو مجرد ذكرى من الماضي، بينما تثبت هذه التجربة أن التراث يمكن أن يكون جزءاً من المستقبل إذا أُعيد توظيفه بصورة ذكية ومبتكرة.
إن تحويل قصر تاريخي عمره أكثر من 150 عاماً إلى مساحة تعليمية معاصرة هو في حد ذاته رسالة ثقافية تقول إن الحداثة لا تعني القطيعة مع التاريخ، بل القدرة على إعادة اكتشافه وتوظيفه في سياقات جديدة.
وربما هذا ما تحتاجه القاهرة اليوم أكثر من أي وقت مضى؛ أن تستعيد علاقتها بذاكرتها العمرانية والثقافية، لا باعتبارها مجرد حنين إلى الماضي، بل باعتبارها رصيداً يمكن أن يصنع مستقبلاً مختلفاً.
وفي النهاية، تبدو مبادرة الجامعة الأمريكية بالقاهرة تجربة تستحق التوقف عندها، ليس فقط لأنها تقدم نموذجاً تعليمياً متطوراً، بل لأنها تطرح تصوراً مختلفاً لمعنى الجامعة نفسها. جامعة تتعلم من المدينة بقدر ما تُعلّمها، وتعيد للمعرفة علاقتها بالحياة، وللطالب علاقته بالمكان، وللتاريخ دوره في تشكيل المستقبل.
وبين جدران حرم التحرير العريق، يبدو أن الجامعة لا تعيد إحياء مبنى تاريخي فقط، بل تحاول أيضاً إحياء فكرة قديمة وجميلة: أن التعليم الحقيقي يبدأ عندما يخرج الإنسان من حدود القاعة الدراسية إلى اتساع الحياة نفسها.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق