الجمعة، 29 مايو 2026

حين تتحول اليد التي خُلقت للحماية إلى أداة أذىقراءة نفسية في شخصية الرجل الذي يضرب زوجته

د.سوهير الطويل
 استشاري نفسي واسري وتربوي
 
العنف ضد المرأة ليس “عصبية زائدة”، ولا “خلافًا زوجيًا عاديًا”، ولا يمكن تبريره بضغوط الحياة أو الظروف الاقتصادية أو استفزاز الطرف الآخر.
حين يمد الرجل يده ليضرب امرأة اختارته شريكًا وأمانًا، فنحن هنا لا نتحدث فقط عن مشكلة سلوك… بل عن خلل عميق في البناء النفسي والإنساني.
الرجل الطبيعي قد يغضب، يثور، ينسحب، يختلف، لكنه يظل محتفظًا بخط أحمر داخلي يمنعه من الإهانة الجسدية.
أما الرجل الذي يضرب، فهو غالبًا رجل فقد القدرة على إدارة مشاعره بطريقة ناضجة، فيلجأ للقوة حين يعجز عن الحوار.
لماذا أصبح العنف أكثر انتشارًا؟
نحن نعيش في زمن ارتفعت فيه معدلات التوتر، والضغوط الاقتصادية، والاحتقان النفسي، وضعفت فيه التربية العاطفية والإنسانية.
كثير من الرجال تربوا على فكرة خطيرة:
“الرجولة سيطرة.”
“الصوت العالي هيبة.”
“المرأة لازم تخاف.”
ومع الوقت، يتحول الخوف إلى أسلوب حياة داخل بعض البيوت، ويصبح الضرب وسيلة لإثبات السيطرة، لا لحل المشكلات.
كما أن بعض الرجال نشأوا داخل بيوت عنيفة، فرأى الأب يضرب الأم، فاختزن المشهد باعتباره “شكلًا طبيعيًا للعلاقة”.
الطفل الذي يرى العنف باستمرار قد يكبر وهو يظن أن القوة الجسدية حق مكتسب للرجل.
سايكولوجية الرجل الذي يضرب
الرجل العنيف ليس دائمًا قويًا كما يبدو.
في العمق، كثير من هؤلاء الرجال يعانون من هشاشة نفسية كبيرة، لكنهم يغطون ضعفهم بالقوة الزائفة.
ومن أبرز السمات النفسية للرجل الذي يضرب:
1. ضعف التحكم الانفعالي
هو شخص لا يعرف كيف يدير غضبه، فينفجر بسرعة، ويستخدم جسده بدل عقله.
الضرب بالنسبة له تفريغ عجز، لا تعبير قوة.
2. الشعور بالنقص
بعض الرجال يشعرون داخليًا بعدم الكفاءة أو الفشل أو ضعف القيمة، فيحاولون تعويض ذلك بالسيطرة على الأضعف منهم.
ولهذا غالبًا يكون عنيفًا داخل البيت فقط، بينما يبدو هادئًا خارجه.
3. عقلية التملك
هو لا يرى زوجته شريكًا، بل “شيئًا يخصه”.
وحين تختلف معه يشعر أنها تتمرد على سلطته، فيلجأ للعقاب.
4. اضطرابات نفسية أو شخصية
بعض الشخصيات العنيفة تحمل سمات نرجسية أو عدوانية أو اندفاعية، فتفتقر للتعاطف الحقيقي مع الطرف الآخر.
وقد يشعر بعد الضرب بالندم المؤقت، لكنه يعود للفعل نفسه لأن المشكلة أعمق من مجرد اعتذار.
5. الخوف من فقدان السيطرة
الرجل الناضج يناقش ويحتوي.
أما الرجل العنيف، فيشعر بالرعب من فقدان السيطرة على العلاقة، فيستخدم التخويف حتى يضمن الطاعة.
هل كل رجل يضرب يمكن أن يتغير؟
التغيير ممكن… لكن ليس بالكلام وحده.
الرجل الذي يضرب ثم يقول: “أصل أعصابي” أو “أنتِ السبب” غالبًا لا يرى المشكلة الحقيقية في نفسه.
التغيير يحتاج:
اعترافًا صريحًا بالعنف.
تحملًا كاملًا للمسؤولية دون تبرير.
علاجًا نفسيًا أو تدريبًا على إدارة الغضب.
رغبة حقيقية في التغيير، لا خوفًا من الفضيحة أو الفقد.
أما الرجل الذي يكرر الضرب ثم يعتذر ثم يعيد الدورة مرة أخرى، فهو يعيش ما يسمى “دائرة العنف”: غضب → ضرب → ندم → وعود → هدوء مؤقت → ثم عنف جديد.
لماذا تبقى بعض النساء مع الرجل العنيف؟
السؤال الذي يطرحه المجتمع دائمًا:
“لماذا لم ترحل؟”
لكن علم النفس يقول إن المرأة المعنَّفة غالبًا لا تكون ضعيفة كما يظن الناس، بل تكون عالقة داخل شبكة معقدة من:
الخوف.
التعلق العاطفي.
الأمل في التغيير.
الاعتماد المادي أو الاجتماعي.
الشعور بالذنب.
فقدان الثقة بالنفس نتيجة الإهانة المستمرة.
العنف لا يكسر الجسد فقط… بل يكسر الصورة الداخلية للإنسان عن نفسه.
كيف يجب التعامل مع الرجل العنيف؟
أخطر خطأ هو التعامل مع العنف باعتباره “شيئًا بسيطًا”.
الضرب ليس دليل حب، ولا غيرة، ولا رجولة.
والتعامل الصحيح يبدأ من:
وضع حدود واضحة وصارمة.
عدم تبرير العنف أو التستر عليه.
طلب دعم نفسي وأسري وقانوني عند الحاجة.
حماية النفس والأبناء أولًا.
عدم تصديق الوعود وحدها دون تغيير حقيقي ملموس.
وفي بعض الحالات، يكون الابتعاد ضرورة نفسية وإنسانية، لأن البقاء داخل علاقة مؤذية يدمر الإنسان تدريجيًا.
الرجل الحقيقي لا يحتاج أن يُخيف امرأة
الرجل الحقيقي لا تثبت رجولته بيدٍ تؤذي، بل بقلب يحتوي، وعقل يحترم، وقدرة على الأمان وقت الغضب.
فالمرأة لا تحتاج رجلًا تخشاه… بل رجلًا تشعر معه أن كرامتها في أمان.
وكل بيت يسكنه الخوف، يفقد مع الوقت معناه الحقيقي مهما بدا متماسكًا من الخارج.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot