بيت، أرض، تجارة، أو مال محفوظ.
أما اليوم، فأصبح هناك نوع جديد من الثروة لا ينتبه له كثيرون، رغم أنه قد يكون الأهم في العصر الحديث:
القدرة على جذب الانتباه.
فالانتباه أصبح سلعة حقيقية تُباع وتُشترى بمليارات الدولارات.
كل تطبيق، ومنصة، وإعلان، ومحتوى على الإنترنت يتنافس على شيء واحد فقط:
كم دقيقة سيقضيها الإنسان في المشاهدة أو التفاعل؟
ولهذا لم تعد الشركات الكبرى تتنافس فقط على جودة المنتجات،
بل على قدرتها على إبقاء الناس متصلين لأطول وقت ممكن.
المشكلة أن عقل الإنسان لم يُصمم لهذا الكم الهائل من المنافسة على انتباهه.
فكل إشعار، وفيديو قصير، وصورة، وخبر عاجل، يسحب جزءًا صغيرًا من التركيز والطاقة الذهنية.
ومع الوقت، أصبح التركيز العميق نفسه مهارة نادرة.
الإنسان يفتح هاتفه لدقيقة،
ثم يجد نفسه بعد ساعة يتنقل بين التطبيقات دون هدف حقيقي.
ليس لأنه ضعيف الإرادة بالضرورة، بل لأن هذه المنصات صُممت أصلًا لتجعل التوقف أصعب من الاستمرار.
الأخطر أن تشتت الانتباه لا يؤثر فقط على الوقت، بل على طريقة التفكير نفسها.
فالقراءة الطويلة أصبحت أصعب،
والتركيز في مهمة واحدة لفترة ممتدة صار مرهقًا عند كثير من الناس.
حتى الراحة لم تعد راحة كاملة،
لأن العقل يظل ينتقل بسرعة بين عشرات الأشياء طوال اليوم دون فرصة حقيقية للهدوء.
وفي الجانب الاقتصادي، أصبح الانتباه مصدرًا للربح.
كلما قضى الناس وقتًا أطول على المنصات، زادت الإعلانات، وزادت الأرباح، وتحولت أعين البشر وتركيزهم إلى مورد اقتصادي ضخم.
ولهذا يمكن القول إن الاقتصاد الحديث لا يبيع المنتجات فقط،
بل يبيع ويشتري انتباه البشر أنفسهم.
ربما أصبحت أخطر معركة في العصر الحالي ليست على المال أو الموارد فقط،
بل على الشيء الذي يحدد كيف نعيش ونفكر أصلًا:
انتباهنا.
بقلم د نهي غانم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق