الثلاثاء، 5 مايو 2026

نرمين قاسم تكتب: مأساة الافتتان بالجهل!


في زمنٍ كان يُفترض فيه أن المعرفة صارت على بُعد نقرة، وأن الجهل بات عارًا لا يُحتفى به، قرر البعض أن يقلب المعادلة تمامًا… ويمنح الجهل مكانة النجومية. 
لم يعد الجاهل مجرد شخص لا يعلم، بل أصبح "نجمًا جماهيريًا"، يُستضاف، ويُحلّل، ويُفتي في كل شيء، من الطب إلى السياسة إلى أسرار الكون، وكأن الموسوعة البريطانية قد اختصرت نفسها في شخصه.

المثير للسخرية أن هذا الجهل لم يعد حالة فردية، بل تحول إلى ظاهرة لها جمهورها العريض. جمهور لا يبحث عن الحقيقة بقدر ما يبحث عن من يوافق هواه، حتى لو كان ذلك على حساب العقل والمنطق. وهنا تبدأ المأساة، حين يصبح التصفيق أعلى من التفكير، والانبهار أعلى من الفهم.

في هذا العالم المقلوب، لم يعد السؤال "هل هذا صحيح؟" بل "هل هذا مريح؟". فإذا وافق الكلام مشاعر الناس، تم رفع قائله إلى مرتبة الحكماء، حتى لو كان كلامه يخالف أبسط قواعد العلم. أما من يحاول التصحيح أو تقديم المعلومة الدقيقة، فيُتهم بالتعقيد، أو الأسوأ… يُتهم بأنه "لا يفهم حاجة الناس"

 بعض هؤلاء لا يكتفون بالجهل، بل يدافعون عنه بشراسة. كأن الجهل صار هوية يجب حمايتها، لا عيبًا يجب تجاوزه. فتجد من يهاجم العلم لأنه "معقّد"، أو يرفض التفكير لأنه "مرهق"، وكأن العقل عبء يجب التخلص منه، لا نعمة يجب استخدامها.

وفي خضم هذا العبث، يبرز سؤال بسيط.. متى أصبح الجهل جذابًا؟ ومتى صار الإنسان يفتخر بعدم المعرفة؟ ربما الإجابة مؤلمة… حين فقد البعض الثقة في المؤسسات، وحين سادت الفوضى، أصبح أي صوت عالٍ بديلاً عن أي صوت صحيح. ومع الوقت، لم يعد المهم من يقول الحقيقة، بل طريقة من يقولها.

لكن الحقيقة التي لا يريد أحد مواجهتها هي أن الافتتان بالجهل ليس مجرد ظاهرة مضحكة… بل كارثة حقيقية. لأنه يُنتج قرارات خاطئة، ومجتمعات مرتبكة، وأفرادًا يسيرون بثقة نحو الهاوية وهم يظنون أنهم على الطريق الصحيح.

وفي النهاية، قد نضحك من المشهد، ونسخر من أبطاله، لكن المأساة الحقيقية ليست في وجود الجهل… بل في الاحتفاء به. فالمجتمع الذي يصفق للجهل، لا يحتاج إلى من يُضلله… لأنه تكفّل بالمهمة بنفسه.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot