كانت الحقيبة الجلدية الكبيرة الرابضة في ركن الصالة تشبه وحشاً صامتاً يستعد لالتهام ما تبقى من حكايتنا.. ونظرتُ إلى "أحمد" وهو يغلق أقفالها بإحكام، وكأنه يغلق باباً على قلبي، ويهيئ نفسه لرحلة طويلة نحو "البنكنوت" في بلادٍ تمنح المال وتحجب الشمس.
منذ السبعينيات، بدأت هذه اللعبة الخطرة في بيوتنا المصرية؛ الرجل يرحل باحثاً عن "المستقبل"، والمرأة تبقى لتواجه "الحاضر" وحدها. وفي غمرة الجري خلف الريال والدينار، لم يلحظ أحد أننا نبيع "أرواحنا" لنشتري "أثاثاً" فاخراً نضعه في غرفٍ خاوية من الحب. لقد أصبح الزوج في حياتنا مجرد "طيف" يزورنا في الصيف، يحمل الهدايا الثقيلة والقلب المتعب، وظنّ ساذجاً أن حفنة الدولارات قادرة على أن تعوض ابنه عن "لمسة يد" أو كلمة تشجيع في ليلة شتاء باردة.
المأساة يا صديقي ليست في الفقر، بل في هذا "الغنى المستعار". المرأة التي كانت رقيقة، تحولت بفعل الغياب إلى "جنرال" يدير المعارك اليومية مع الدروس الخصوصية وأعطال السباكة وعناد المراهقين. فقدت أنوثتها في زحام المسؤولية، وأصبح الرجل حين يعود في إجازته يشعر أنه "ضيف ثقيل" في مملكة لم يعد يملك فيها حق القرار. إنه يملك "الميزانية"، لكنها تملك "المفاتيح".
والأبناء؟ آه من هؤلاء الصغار الذين كبروا وفي ذاكرتهم صورة الأب مجرد "صوت" عبر الهاتف، أو "حوالة بريدية" تصل أول الشهر. نشأوا وهم يقدسون "المادة" لأنها الشيء الوحيد الذي كان والدهم يبرهن به على وجوده. لقد تعلموا أن القيمة في "ما تملك" لا في "مَن تكون"، فصار الجري خلف البنكنوت هو الدين الجديد الذي نعتنقه جميعاً، دون أن نصل إلى نهايته أبداً.
إننا نعيش تراجيديا كبرى؛ فنحن نبني بيوتاً لا نسكنها، ونجمع أموالاً لنسعد بها أبناءً لا نعرفهم. وفي النهاية، يجد الرجل نفسه وحيداً على رصيف العمر، يمسك بحفنة من الأوراق الملونة، لكنه لا يجد يداً واحدة دافئة تمسح عن جبينه عناء السنين. لقد ربحنا المعركة المالية يا عزيزي، لكننا خسرنا "الإنسان" في أعماقنا، وأصبح حالنا كمن يطارد سراباً في صحراء، كلما ظن أنه أدركه، اكتشف أنه لا يزال عطشاً لقطرة واحدة من حنان الوطن ودفء الأسرة الحقيقي.
الكاتبة والشاعرة سالي النجار
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق