السبت، 23 مايو 2026

ما كُتب لك سيأتيك في أوانه

بقلم د.سوهير الطويل
 استشاري نفسي واسري وتربوي 

في رحلة الحياة يقف الإنسان كثيرًا أمام ما تأخر، وما ضاع، وما لم يكتمل. يتأمل وظيفة لم يحصل عليها، أو زواجًا لم يحدث، أو حلمًا تأخر سنوات، ثم يبدأ في جلد نفسه، ومراجعة اختياراته، وتخيل حياة بديلة كان يظنها ستكون أكثر سعادة وراحة. لكن الحقيقة التي يغفل عنها الكثيرون أن الإنسان لا يرى إلا جزءًا صغيرًا من الصورة، بينما يرى الله المشهد كاملًا بكل تفاصيله وخفاياه.

كم من أمر تمنيناه بإلحاح، ولو حصل وقتها لكان سببًا في هلاكنا أو تعبنا أو ضياعنا. وكم من تأخير ظننّاه عقابًا، ثم اكتشفنا بعد سنوات أنه كان رحمة عظيمة.

يقول الله تعالى:
﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾
القرآن الكريم

هذه الآية ليست مجرد كلمات تُقال للمواساة، بل قاعدة إيمانية ونفسية عميقة. فنحن نحكم على الأمور بلحظة شعور، أما الله سبحانه فيعلم العواقب والنتائج والنهايات.

ولهذا كان الإيمان بالقدر من أكثر الأمور التي تمنح القلب طمأنينة وسلامًا. فقد قال رسول الله ﷺ:
“واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك.”
سنن الترمذي

أي أن ما لم يحدث لك لم يكن لك أصلًا، مهما تعلقت به، ومهما ظننت أن سعادتك كانت فيه. وما جاءك وصل إليك لأنه كُتب لك قبل أن تولد.

ولذلك فإن الندم المستمر على الماضي لا يغير شيئًا، بل يستهلك الروح ويُضعف الإنسان. وقد نهانا النبي ﷺ عن الاستسلام لفكرة “لو” التي تفتح أبواب الحسرة والاعتراض الداخلي، فقال:
“احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز… وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدّر الله وما شاء فعل.”
صحيح مسلم

فالتفكير المرضي في السيناريوهات البديلة لا يصنع واقعًا جديدًا، بل يسرق العمر من الإنسان وهو يقارن بين حياة يعيشها، وحياة متخيلة لم تحدث أصلًا.

الحياة ليست سباقًا له توقيت واحد للجميع. هناك من يتزوج مبكرًا ويتعب، وهناك من يتأخر زواجه فيجد راحته بعد صبر. هناك من يأتيه المال سريعًا فيفسده، ومن يتأخر رزقه ليبنيه الله على مهل حتى يحتمله. لكل إنسان توقيته الخاص الذي يناسب روحه وظروفه وقدره.

وكان من دعاء الصالحين دائمًا الرضا بما قسمه الله، لأنهم أدركوا أن الراحة ليست في كثرة ما نملك، بل في الطمأنينة تجاه ما اختاره الله لنا.

وقال الإمام الشافعي رحمه الله:
“أرح قلبك من التدبير، فما قام به غيرك عنك لا تقم به لنفسك.”

وقال أيضًا:
“تأتي على الناس أزمان، الصبر فيها على الدين كقبض الجمر، والنجاة فيها بالرضا.”

والرضا هنا لا يعني الاستسلام أو التوقف عن السعي، بل يعني أن تسعى بقلب مطمئن، لا بقلب ساخط معترض. تعمل وتجتهد وتخطط، لكنك تؤمن أن ما كُتب لك سيأتيك في وقته، لا قبله ولا بعده.

كم من إنسان بكى على أمر لم يحصل عليه، ثم حمد الله بعد سنوات أنه لم يحدث. وكم من شخص ظن أن حياته انتهت بسبب خسارة معينة، ثم اكتشف أن تلك الخسارة كانت بداية طريق أفضل وأنضج وأكثر سلامًا.

إن أجمل ما قد يصل إليه الإنسان ليس أن يأخذ كل ما يريد، بل أن يطمئن أن الله لن يمنعه إلا ليحميه، ولن يؤخره إلا ليهيئه، ولن يأخذ منه شيئًا إلا ليعوضه بما هو أنسب له في الوقت المناسب.

ولهذا قال بعض الحكماء:
“لو كُشف الغيب للإنسان، لاختار الواقع الذي اختاره الله له.”

فاهدأ…
ما فاتك لم يكن لك، وما هو لك سيأتيك، وما كتبه الله لك سيصل إليك ولو بعد حين، لأن أقدار الله لا تُخطئ أصحابها أبدًا.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot