هناك فكرة خطيرة بدأت تنتشر بهدوء في العالم الحديث:
أن قيمة الإنسان أصبحت مرتبطة بمدى إنتاجه فقط.
كم تعمل؟
كم تنجز؟
كم تربح؟
وكم تستطيع أن تستمر دون توقف؟
ومع الوقت، تحولت الراحة عند كثير من الناس إلى شعور بالذنب، وكأن التوقف للحظة يعني التقصير أو التأخر عن الآخرين.
المشكلة أن الإنسان ليس آلة.
حتى الآلات نفسها تحتاج إلى صيانة وتوقف دوري، فكيف بعقل يستهلك يوميًا في العمل والتفكير والضغوط والمقارنات؟
لكن ثقافة العصر الحالي تمجّد “الاستمرار الدائم”.
الشخص الناجح هو المشغول دائمًا،
والمنتج دائمًا،
والمتاح طوال الوقت.
أما التعب النفسي أو الإرهاق الذهني، فيتم التعامل معهما أحيانًا كعلامة ضعف، لا كإشارة طبيعية من العقل والجسد.
ولهذا أصبح كثير من الناس يعيشون في حالة استنزاف مستمر دون أن ينتبهوا.
ينهون يومهم وهم مرهقون، ثم يبدأون اليوم التالي بنفس السرعة، وكأن التوقف لم يعد خيارًا.
الأخطر أن هذا النمط لا يسرق الراحة فقط،
بل يسرق القدرة على الاستمتاع بالحياة نفسها.
فالإنسان المنهك لا يشعر بالإنجاز كما يجب،
ولا يفرح بما يصل إليه،
لأن عقله انتقل مباشرة إلى الضغط التالي أو الهدف التالي.
حتى العلاقات الإنسانية تأثرت بهذا الإيقاع السريع.
أصبح الوقت الحقيقي نادرًا، والانتباه الكامل لمن حولنا أصعب، لأن العقل دائمًا مشغول بشيء آخر.
ربما لا تكمن المشكلة في العمل أو الطموح،
بل في أن الإنسان بدأ ينسى أنه يحتاج أحيانًا إلى أن يعيش… لا أن ينجز فقط.
لأن الحياة التي تتحول بالكامل إلى سباق إنتاج،
قد تمنح صاحبها الكثير من الإنجازات…
لكنها قد تسلبه القدرة على الشعور بها.
بقلم د نهي غانم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق