السبت، 23 مايو 2026

‏العلاج المعرفي السلوكى.. التحكم في الغضب والانفعالات‏

‏كتب هذا المقال بقلم أ /هبة رأفت. 
‏أستاذة علم النفس التربوى والتربية الخاصة والإرشاد الأسري 
‏يُعد الغضب من الانفعالات الطبيعية التي يمر بها الإنسان في مواقف الحياة المختلفة، فهو استجابة انفعالية تحدث نتيجة الشعور بالتهديد أو الإحباط أو الظلم أو الضغوط النفسية. ورغم أن الغضب في حد ذاته ليس أمرًا سلبيًا دائمًا إلا أن المشكلة تظهر عندما يفقد الإنسان القدرة على التحكم في انفعالاته فيتحول الغضب إلى سلوك عدواني أو اندفاعي يؤثر بصورة سلبية في الصحة النفسية والعلاقات الاجتماعية والحياة اليومية. ولذلك اهتم العلاج المعرفي السلوكي بتقديم مجموعة من الأساليب التي تساعد الفرد على فهم مشاعره وتنظيم انفعالاته والتعامل مع المواقف المثيرة للغضب بطريقة أكثر هدوءًا واتزانًا.
‏ويُقصد بالغضب حالة انفعالية يشعر فيها الإنسان بالتوتر والاستثارة نتيجة موقف يراه مزعجًا أو مهددًا أو مخالفًا لتوقعاته. وتختلف شدة الغضب من شخص لآخر تبعًا لطبيعة الشخصية وطريقة التفكير والخبرات السابقة والقدرة على ضبط النفس. فقد يعبر بعض الأشخاص عن غضبهم بالصراخ والانفعال الشديد بينما يميل آخرون إلى الانسحاب أو الكتمان أو التصرف بصورة عدوانية غير مباشرة.
‏وتتعدد أسباب الغضب والانفعالات الحادة فقد تنتج عن الضغوط النفسية المستمرة أو المشكلات الأسرية أو سوء التفاهم أو الإحساس بالإهانة أو الفشل أو عدم القدرة على تحقيق الرغبات والأهداف. كما أن طريقة التفكير تلعب دورًا كبيرًا في زيادة حدة الغضب، فالإنسان الذي يفسر المواقف بصورة سلبية أو يبالغ في توقع الأخطاء أو يعتقد أن الآخرين يقصدون إيذاءه يكون أكثر عرضة للانفعال السريع والغضب الشديد.
‏ويرى العلاج المعرفي السلوكي أن الأفكار هي الأساس الذي يؤثر في المشاعر والسلوك، ولذلك فإن كثيرًا من نوبات الغضب تنتج عن أفكار غير عقلانية أو مبالغ فيها مثل التفكير “لا أحد يحترمني” أو “يجب أن تسير الأمور دائمًا كما أريد” أو “هذا التصرف لا يمكن تحمله”. وعندما يصدق الإنسان هذه الأفكار يزداد شعوره بالغضب والتوتر وينعكس ذلك على سلوكه وتصرفاته.
‏وتظهر آثار الغضب بصورة واضحة على الصحة النفسية والجسدية، حيث يؤدي الغضب المستمر إلى زيادة القلق والتوتر واضطرابات النوم والشعور بالإرهاق النفسي، كما قد يسبب ارتفاع ضغط الدم وسرعة ضربات القلب وآلام العضلات والصداع وبعض المشكلات الصحية المرتبطة بالتوتر المزمن. كذلك يؤثر الغضب في العلاقات الاجتماعية فيؤدي إلى كثرة الخلافات وضعف التواصل وفقدان الشعور بالأمان والاستقرار داخل الأسرة والمجتمع.
‏ويركز العلاج المعرفي السلوكي على تعليم الفرد كيفية التعرف على العلامات المبكرة للغضب قبل أن تتفاقم الانفعالات، مثل سرعة التنفس أو ارتفاع الصوت أو التوتر العضلي أو الأفكار العدائية. ويساعد الوعي بهذه العلامات على التدخل المبكر للسيطرة على الانفعال قبل تحوله إلى سلوك مؤذٍ أو اندفاعي.
‏ومن أهم الأساليب المستخدمة في التحكم بالغضب إعادة البناء المعرفي، حيث يتعلم الفرد كيفية مراجعة أفكاره السلبية واستبدالها بأفكار أكثر عقلانية وهدوءًا. فبدلًا من التفكير “هذا الشخص يتعمد إهانتي” يمكن استبدال الفكرة بـ “ربما حدث سوء فهم أو اختلاف في وجهات النظر”. ويساعد هذا التغيير في طريقة التفكير على تقليل حدة الانفعال وتحسين القدرة على التعامل مع المواقف بصورة أكثر توازنًا.
‏كما تُستخدم مهارات الاسترخاء والتنفس العميق بصورة فعالة في خفض التوتر والانفعال، حيث تساعد هذه الأساليب على تهدئة الجهاز العصبي وتقليل الاستثارة الجسدية المرتبطة بالغضب. ويتعلم الفرد كيفية أخذ أنفاس عميقة ببطء أو الابتعاد المؤقت عن الموقف المثير للغضب حتى يستعيد هدوءه وقدرته على التفكير السليم.
‏ويُعد الحوار الذاتي الإيجابي من الفنيات المهمة أيضًا، حيث يتدرب الفرد على استخدام عبارات تساعده على التهدئة وضبط النفس مثل “يمكنني التحكم في انفعالي” أو “التصرف بهدوء أفضل من الاندفاع”. ويساعد هذا الأسلوب على تعزيز الشعور بالسيطرة وتقليل التوتر الداخلي.
‏كما يهتم العلاج المعرفي السلوكي بتنمية مهارات التواصل الفعال وحل المشكلات، لأن كثيرًا من حالات الغضب تنتج عن سوء الفهم أو ضعف القدرة على التعبير عن المشاعر بصورة مناسبة. ولذلك يتعلم الفرد كيفية التعبير عن رأيه واحتياجاته بطريقة هادئة وواضحة دون عدوان أو إساءة للآخرين، إضافة إلى تعلم مهارات التفاوض والتفاهم واحترام الاختلافات.
‏ويساعد التحكم في الغضب والانفعالات على تحسين التوافق النفسي والاجتماعي وزيادة جودة العلاقات الإنسانية، فالإنسان القادر على ضبط انفعالاته يكون أكثر قدرة على اتخاذ القرارات الصحيحة والتعامل مع الضغوط بصورة متزنة وبناء علاقات قائمة على الاحترام والتفاهم. كما يسهم ذلك في تعزيز الثقة بالنفس والشعور بالاستقرار النفسي والراحة الداخلية.
‏ويتميز العلاج المعرفي السلوكي بأنه لا يهدف إلى منع الإنسان من الشعور بالغضب بصورة كاملة بل يساعده على فهم هذا الانفعال والتعامل معه بطريقة صحية وآمنة. فالغضب يمكن أن يكون دافعًا للدفاع عن الحقوق أو مواجهة الظلم إذا تم التعبير عنه بصورة متوازنة دون إيذاء النفس أو الآخرين.
‏ويُعد تعلم مهارات التحكم في الغضب والانفعالات من أهم عوامل الحفاظ على الصحة النفسية والتكيف السليم مع متطلبات الحياة المختلفة، لأن الإنسان الذي يمتلك القدرة على إدارة انفعالاته يكون أكثر مرونة وقدرة على مواجهة المواقف الصعبة وتحقيق التوازن النفسي والاجتماعي بصورة إيجابية وصحية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot