د.سوهير الطويل
استشاري نفسي واسري وتربوي
في زمنٍ اختلطت فيه المشاعر بالرغبات، والاحتياج النفسي بالإشباع المؤقت، أصبح كثيرون يخلطون بين الحب الحقيقي وبين مجرد الانجذاب أو الشهوة أو التعلّق العاطفي العابر.
فليس كل اقترابٍ حبًا، وليس كل اشتياقٍ دليلاً على عمق المشاعر، لأن الحب الحقيقي لا يُقاس بلهفة الجسد وحدها، بل يُقاس بقدرة الإنسان على العطاء، والاحتواء، والاحترام، وتحمل مسؤولية الآخر نفسيًا وإنسانيًا.
إن الإنسان الذي يدخل العلاقة فقط ليأخذ، أو ليُشبع فراغه الداخلي، أو ليستهلك مشاعر الطرف الآخر، لا يعيش الحب بمعناه الناضج، بل يعيش نوعًا من “الاستخدام العاطفي” المغلف بكلمات رومانسية.
الحب الحقيقي لا يتعامل مع الإنسان كوسيلة للمتعة أو التسلية أو الهروب من الوحدة، بل يراه روحًا كاملة، لها احتياجاتها النفسية، ومخاوفها، وضعفها، وكرامتها.
الفرق بين الحب والشهوة نفسيًا
الشهوة بطبيعتها لحظة اندفاع، مرتبطة بالإثارة والرغبة والامتلاك السريع، ولذلك فهي غالبًا تركز على “ما الذي سأحصل عليه؟”.
أما الحب الناضج فيتحرك من سؤال مختلف تمامًا:
“كيف أجعل حياة هذا الإنسان أكثر أمانًا وطمأنينة وراحة؟”
ولهذا نجد أن العلاقات المبنية فقط على الانجذاب الجسدي غالبًا ما تشتعل سريعًا ثم تخبو سريعًا أيضًا، لأنها اعتمدت على الإثارة لا على التوافق النفسي والإنساني.
أما الحب العميق، فهو حالة من الارتباط الوجداني القائم على:
الاحترام المتبادل
الأمان النفسي
التقدير
التعاطف
الرغبة في النمو المشترك
تقبّل الإنسان لا استهلاكه
انا
فالإنسان الذي يحبك حقًا لا يبحث فقط عن قربك، بل يبحث عن سلامك الداخلي أيضًا.
العلاقات الاستهلاكية… أزمة العصر
من أخطر ما أصاب العلاقات الحديثة أنها أصبحت في كثير من الأحيان قائمة على ثقافة الاستهلاك:
طالما تُشبع احتياجاتي أبقى، وإن توقفت عن إشباعي أرحل.
هذه العقلية جعلت بعض البشر يدخلون العلاقات كما يدخلون الأسواق؛ يبحثون عن الإبهار السريع، والمتعة السريعة، والاهتمام السريع، ثم ينتقلون لغيرها بمجرد انتهاء حالة الانبهار الأولى.
وفي علم النفس، يرتبط هذا النمط غالبًا بوجود فراغ داخلي أو هشاشة عاطفية أو اضطراب في مفهوم التعلق، حيث يحاول الإنسان استخدام الآخر كوسيلة لتسكين قلقه أو وحدته أو شعوره بالنقص.
لكن المشكلة أن العلاقات التي تُبنى على “الأخذ” فقط، تُرهق الطرفين مع الوقت، لأن الإنسان لا يستطيع أن يعيش طويلًا وهو يشعر أنه مجرد وسيلة لإشباع احتياجات شخص آخر.
الحب الحقيقي لا يُهين الإنسان
حين يحب الإنسان بصدق، يصبح أكثر حرصًا على مشاعر الطرف الآخر، وأكثر انتباهًا لحدوده النفسية وكرامته.
الحب الحقيقي لا يضغط، لا يبتز، لا يُذل، ولا يحوّل العلاقة إلى ساحة مطالب لا تنتهي.
ومن ينظر للآخر فقط من زاوية الرغبة، قد ينجذب إلى الجسد، لكنه غالبًا لا يرى الروح.
أما المحب الحقيقي، فيرى تعبك خلف ابتسامتك، ويفهم صمتك، ويحترم ضعفك، ويشعر أن وجودك قيمة لا مجرد متعة عابرة.
لماذا يهرب البعض من الحب الحقيقي؟
لأن الحب الحقيقي مسؤولية، بينما الشهوة لحظة.
الحب يحتاج نضجًا نفسيًا، وصبرًا، وقدرة على التضحية، وتحمل اختلافات الآخر وعيوبه.
أما العلاقات السطحية، فهي أسهل وأسرع وأقل التزامًا.
ولهذا قد يهرب بعض الناس من العلاقات العميقة إلى علاقات مؤقتة، لأنهم غير قادرين على مواجهة أنفسهم أو بناء ارتباط إنساني حقيقي.
في النهاية…
الحب ليس جوعًا عاطفيًا، ولا رغبة في الامتلاك، ولا استهلاكًا لمشاعر الآخرين تحت اسم العشق.
الحب الحقيقي حالة إنسانية راقية، تجعل الإنسان أكثر رحمة، وأكثر نضجًا، وأكثر قدرة على العطاء.
ومن يحبك حقًا، لن يجعلك تشعر أنك “مُستخدم”…
بل سيجعلك تشعر أنك مُقدَّر، ومفهوم، وآمن.
فالعلاقات التي تقوم على الشهوة وحدها تُرهق الروح،
أما العلاقات التي تقوم على الحب الحقيقي… فهي التي تمنح الإنسان السلام.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق