بقلم احمد منصور احمد غانم محرر صحفي وعضو المجلس المصري الدولي لحقوق الإنسان والتنميه
بعد هلاك مصطفى كمال أتاتورك ، خلفه صديقه وتلميذه الوفي عصمت إينونو، فازداد العلمانيون كفرا و ظلما في عهده … في عام 1927 ، وبموجب قانون الموازنة العمومية التركي، ناقش العلمانيون الأتراك مشكلة عويصة وهي "مشكلة الجوامع في تركيا"، حيث سجل العلمانيون المساجد تحت بند "المرافق غير الضرورية"، وصُنِّفت على أنها عبء مالي زائد على الدولة، يجب التخلص منه. وتقرّر رسميًا أن "تركيا تملك مساجد أكثر من حاجتها"، وكأنّ بيوت الله ، التي شيّدها خلفاء وسلاطين وصالحون، باتت زائدة عن اللزوم في وطنٍ أرادوا له أن يُولَد من جديد بلا قرآن ولا أذان!
و في عام 1928 ، بدأ تنفيذ هذا القرار المشؤوم، في سياق سياسة تغريب ممنهجة قاده كمال أتاتورك من قبل و تبعه رفاقه من حزب الشعب الجمهوري.
تحت شعار "التمدن"، أُغلقت المساجد، وهُدِمت القباب، وكُسِرت المحاريب، وصُمِتت المآذن.
وفي مدن مثل توكات ، أماسيا ، جوروم ، كوتاهيا ، أضنة ، وإسكي شهير ، صدرت أوامر بهدم المساجد بحجة أنها "لا يُصلى فيها"، بينما في الحقيقة، تم منع الأئمة من العمل ، وإلغاء الرواتب ، ومطاردة من يفتح المسجد للصلاة.
أمثلة من الجرائم:
* في مدينة توكات ، تم تحويل مسجد "كعبة" التاريخي، الذي يعود للقرن الثامن الهجري، إلى مخزن للفواكه والخضر لمدة عشر سنوات !
* في جوروم ، تم إغلاق مسجد "علاء الدين السلجوقي" التاريخي، وهو أحد المساجد التي بنيت في عهد السلطان مسعود الأول، لأن الأهالي اعترضوا على عملية هدمه!
* في قرشهير ، حظروا الصلاة في "مسجد جارشي"
* و"جامع الأصفر" في بورصة، دخل عليه رجال الشرطة، وهدموه أمام الناس، بذريعة أن الصلاة لم تُقم فيه منذ شهور، رغم أن السبب الحقيقي كان طرد الإمام وسحب تصريح الأذان .
وفي إسطنبول ، جرى إغلاق أكثر من 160 مسجدًا بحجة أنها لا تتبع الأوقاف المركزية، وتم بيع بعضها كـ"عقارات مدنية".
* مسجد غوكسو ، الذي بُني بأمر من السلطانة مهري شاه ، زوجة السلطان مصطفى الثالث، تحول إلى مقر لحزب الشعب الجمهوري ، ورفعوا عليه علم الحزب بدل "راية التوحيد" و تتلى فيه خطب أتاتورك بظل القرآن .
* مسجد علي دده في أضنة صار مستودعًا للجيش.
* مسجد علاء الدين في قونية، أحد أعمدة الحضارة السلجوقية، حوّلوه إلى إسطبل للحيوانات .
* جامع محمد باشا في غازي عنتاب أصبح مأوى للحمير والدواب!
* مسجد جديد مصطفى في سيواس حُوّل إلى سجن عام 1933، وسُجن فيه العلماء الرافضون للتغيير مع المجرمين والسرسرية .
وكان مشهد المساجد التي تحولت إلى خمارات يؤلم القلوب والضمائر ، كمسجد مسجد كاتب مصطفى جلبي ، تحوّل إلى ما يُعرف بـ "حانة الاستقلال" في منطقة "بي أوغلو"، حيث تُباع الخمور و تقف أمامه العا هرات وقاموا كذلك بتحويل مسجد "موقوجو سليمان آغا" إلى كازينو وبيت دعارة ، أما مسجد فاضل أحمد باشا ، صار مطعمًا فخمًا تُرتكب فيه المعاصي كل مساء و يلعب فيه القمار و تقدم فيه الخمر و العا هرات .
* مسجد آغا و جامع خديجة سلطان بيعوا كأنهم دكاكين، وتحولوا إلى مبانٍ تجارية!
بيع المساجد بالمزاد العلني:
* مسجد حجّي عزت باشا بيع بـ623 ليرة فقط!
* مسجد خديجة سلطان بيع بـ4996 ليرة، رغم قيمته المعمارية الفريدة!
* مسجد لطفي بك بيع بـ800 ليرة، دون حتى إبلاغ ورثة الواقف الأصلي!
إنها جريمة كبرى… جريمة هوية وتاريخ ودين .
هؤلاء لم يهدموا مساجد فقط… بل هدموا روح الأمة، وكسروا صلتها بماضيها.
وكان كل من يعترض يُتهم بالرجعية، وقد يُسجن أو يُنفى أو يُشنق، كما حصل مع الشيخ سعيد النورسي، والشيخ سعيد بيران، والشيخ إسماعيل أفندي ، وغيرهم من العلماء الذين قاوموا هذه السياسات الكارثية.
وفي نفس السنوات، كانت تركيا تصنع تماثيل أتاتورك في الخارج، وتُرسِل ميزانية الدولة إلى النحات الإيطالي بيترو كانونيكا ليصنع تماثيل من البرونز تملأ الميادين، بينما الشعب الذي وعده العلمانيون بالرفاهية و التطور يتضوّر جوعًا ، والمعلم يتقاضى 30 ليرة فقط شهريًا، وهي لا تكفي لشراء حذاء واحد!
في تلك الأيام، تغيّر شكل الأذان، فُرِضت اللغة التركية على القرآن والأذان عام 1932، وأُجبر المؤذنون على قول "تانري أولوه" بدل "الله أكبر"! و تانري هذا هو إله الترك قبل الاسلام و كان يُعبد كإله عظيم في وسط آسيا، عند قبائل الهون والأتراك والمغول القدماء .
من رفض أُدخل السجن، ومن بكى أُهين، ومن قاوم أُعدِم!
وهكذا، في أقل من 20 سنة، كانت تركيا قد فقدت أكثر من 2700 مسجدًا رسميًا ، إما هُدم أو حُوِّل أو أُغلق، واعتُبر الإسلام "شأنًا خاصًا" يجب أن يُدفن في القلوب، لا أن يُرى في العلن.
إنه الانقلاب الأكبر على الدين في تاريخ المسلمين المعاصر.
قال الله تعالى:
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ ٱللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَا ۚ أُوْلَـٰٓئِ موكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَآ إِلَّا خَآئِفِينَ﴾ \[البقرة: 114]
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق