بقلم احمد منصور احمد غانم
عضو المجلس المصري الدولي لحقوق الإنسان والتنميه
حين مات يزيد بن معاوية، بُويِع ابنه معاوية بن يزيد. وُصِف بأنه رجل صالح وناسك، وقد هاله ما أحدثه أبوه يزيد في محاربة المعارضين المسلمين من أجل السلطة؛ من قتل الحسين بن علي و آل بيته في كربلاء ، واستباحة المدينة يوم وقعة الحرة، وحصار مكهيروي ابن كثير أنه بعد أن صلّى على أبيه ودُفن، أقبل عليه بنو أمية والناس، فبايعوه بالخلافة، فنادى في الناس: "الصلاة جامعة"، وخطب فيهم، فكان مما قال:
"أيها الناس، إني قد وُلِّيتُ أمركم وأنا ضعيف عنه، فإن أحببتم تركتها لرجل قوي، كما تركها الصِّدِّيق لعمر، وإن شئتم جعلتها شورى في ستة كما جعلها عمر بن الخطاب، وليس فيكم من هو صالح لذلك، وقد تركتُ أمركم، فولُّوا عليكم من يصلح لكم". ثم نزل ودخل منزله، فلم يخرج حتى مات رحمه الله تعالى.
أراد معاوية بن يزيد أن يقول لهم إنه لم يجد مثل عمر، ولا مثل أهل الشورى، فترك لهم أمرهم يولّون من يشاؤون.
ومع أنه أصبح الخليفة الثالث في سلسلة خلفاء بني أمية من الناحية النظرية، فإنه رفض أن يباشر عمله كخليفة؛ إذ كان ضعيفًا عن النهوض بتبعات المنصب، وكان صادقًا مع نفسه ومع الناس، فأعلن ذلك صراحة.
ودخل داره، وكان في مدة خلافته مريضًا لا يخرج إلى الناس، وكان الضحاك بن قيس هو الذي يصلي بالناس ويصرف الأمور.
فمرض، فمنهم من رأى أنه سُقِيَ سمًّا، ومنهم من رأى أنه مات حتف أنفه، ومنهم من رأى أنه طُعِن، أي أصابه الطاعون. ولما حضرته الوفاة، اجتمعت إليه بنو أمية، فقالوا له: اعهد إلى من رأيت من أهل بيتك. فقال: "والله ما ذُقتُ حلاوة خلافتكم، فكيف أتقلد وزرها؟! تتعجلون أنتم حلاوتها، وأتعجل أنا مرارتها! اللهم إني بريء منها، متخلٍّ عنها. اللهم إني لا أجد نفرًا كأهل الشورى فأجعلها إليهم، فينصبون لها من يرونه أهلًا". فقالت له أمه: "ليتني كنتُ خرقة حيضة ولم أسمع منك هذا الكلام". فقال لها: "وليتني يا أماه كنتُ خرقة حيض ولم أتقلد هذا الأمر! أتفوز بنو أمية بحلاوتها، وأبوء أنا بوزرها ومنعها أهلها؟! كلا، إني لبريء منها!".
ومات وهو ابن اثنتين وعشرين سنة، ودُفن بدمشق، وصلّى عليه الوليد بن عتبة بن أبي سفيان. ثم قُدِّم عثمان بن عتبة بن أبي سفيان، فقالوا: نبايعك؟ فقال: على ألا أحارب ولا أباشر قتالًا، فأبوا ذلك عليه، فخرج إلى مكة، ودخل في جملة عبد الله بن الزبير، وهكذا انتهى الحكم في ذرية أبي سفيان.
ودخلت البلاد الإسلامية الممتدة على رقعة واسعة في حرب بين المطالبين بالخلافة؛ حيث بايع بنو أمية في دمشق مروان بن الحكم خليفةً من بني أمية، في مواجهة الخليفة عبد الله بن الزبير في مكة.
📚 المصدر: البداية والنهاية
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق