كتبت هذا المقال:/
أ/ هبة رأفت
أستاذة علم النفس التربوى والتربية الخاصة والإرشاد الأسري
مع اقتراب الامتحانات، تتغير ملامح البيوت، ويعلو التوتر في الأجواء، وكأن الجميع يخوض اختبارًا واحدًا. لا يقتصر الضغط على الطالب فقط، بل يمتد ليشمل الأسرة بأكملها، خاصة عندما يتحول “المجموع الكلي” إلى المقياس الوحيد للنجاح، والبوابة الحصرية للمستقبل.
في هذه الفترة، يعيش الطالب حالة من القلق المستمر: خوف من الفشل، رهبة من التوقعات، وضغط داخلي لمجاراة الآخرين. ومع تكرار عبارات مثل “المستقبل يتحدد الآن” أو “هذه فرصتك الوحيدة”، يتحول الدافع إلى عبء، ويتحول الاجتهاد إلى توتر مزمن يؤثر على التركيز والأداء.
أما الأسرة، فغالبًا ما تنطلق من نية صادقة في دعم أبنائها، لكنها – دون وعي – قد تساهم في زيادة الضغط. المقارنات المستمرة، التركيز على الدرجات فقط، أو التهديد بالعواقب، كلها ممارسات تُشعر الطالب أنه في اختبار دائم، ليس فقط في ورقة الامتحان، بل في نظر والديه أيضًا.
أسباب التوتر في فترة الامتحانات:
تضخيم أهمية المجموع الكلي وربطه بقيمة الطالب.
الخوف من خيبة الأمل أو فقدان التقدير الأسري.
المقارنات مع الزملاء أو الأقارب.
ضعف مهارات إدارة الوقت والاستعداد المتأخر.
بيئة منزلية مشحونة بالتوتر أو النقد.
النتائج المترتبة على الضغط النفسي والعصبي:
تشتت الذهن وضعف القدرة على الاستيعاب.
فقدان الثقة بالنفس والشعور بالعجز.
أعراض جسدية مثل الأرق، الصداع، أو اضطراب الشهية.
نفور من الدراسة أو كره التعلم نفسه.
في بعض الحالات، انهيار نفسي أو ردود فعل مبالغ فيها.
المشكلة ليست في الامتحانات ذاتها، بل في الطريقة التي نُحيطها بها. فالطالب يحتاج إلى بيئة تدعمه لا تُرهبه، وتشجعه لا تُقيده بالخوف. يحتاج إلى من يذكّره أن قيمته لا تُختزل في رقم، وأن النجاح الحقيقي هو الاستمرار في المحاولة والتعلم.
كيف نوازن؟
تحويل التركيز من “النتيجة” إلى “الجهد المبذول”.
توفير بيئة هادئة خالية من التوتر الزائد.
دعم نفسي مستمر بكلمات مشجعة لا ضاغطة.
تعليم الطالب مهارات تنظيم الوقت والمراجعة.
تقبّل احتمالية الخطأ كجزء من التعلم.
الامتحانات مرحلة… وليست نهاية الطريق. والمجموع رقم… لا يختصر إنسانًا. فإما أن نجعل من هذه الفترة فرصة لبناء الثقة والقوة داخل أبنائنا، أو نحولها إلى ذكرى مرتبطة بالخوف والضغط. اختر أن تكون مصدر طمأنينة، لا مصدر قلق… فالعقل المطمئن يُبدع، أما الخائف فلا يرى إلا ورقة الامتحان… ولا يرى نفسه.
في زحام الامتحانات، لا تجعلوا الأرقام أعلى صوتًا من الإنسان. فالمجموع قد يفتح بابًا… لكنه لا يصنع عقلًا، ولا يبني شخصية، ولا يضمن نجاحًا حقيقيًا في الحياة. الطالب الذي يُحاط بالدعم والثقة، أقوى من أي ورقة امتحان، وأبقى أثرًا من أي نتيجة عابرة.
تذكّروا: الضغط قد يدفع خطوة… لكنه قد يكسر روحًا. فاختاروا أن تزرعوا الطمأنينة بدل الخوف، والثقة بدل التهديد. لأن أعظم نجاح ليس أن يحصل أبناؤنا على درجات عالية فقط… بل أن يخرجوا من هذه المرحلة وهم أكثر ثباتًا، وأكثر إيمانًا بأنفسهم، وأكثر قدرة على مواجهة الحياة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق