في زمنٍ ليس ببعيد، كان المواطن البسيط يحلم فقط بأن يعرف ماذا يحدث حوله. أما الآن، بعد انتشار وسائل التواصل الاجتماعي تطور الحلم بشكل مذهل، وأصبح المواطن لا يكتفي بالمعرفة، بل يرى نفسه خبيرًا استراتيجيًا، ومحللًا اقتصاديًا، وناقدًا سياسيًا من الطراز الأول… كل ذلك بين فنجان قهوة ومنشور على فيسبوك.
لقد أصيب المجتمع – على ما يبدو – بمتلازمة جديدة، يمكن تسميتها علميًا (مع بعض التجاوز) بـ"متلازمة الاعتراض المزمن". أهم أعراضها أي قرار حكومي، أي تصريح رسمي، بل أحيانًا أي إشاعة عابرة… يقابلها فورًا سيل من الاعتراضات، التحليلات، والنظريات التي لو جُمعت لاحتجنا إلى عدة حكومات لتنفيذها.
الغريب في الأمر أن الاعتراض لم يعد يحتاج إلى فهم القرار أصلًا. يكفي أن يُعلن عنه، لتبدأ ردود الفعل الجاهزة من عينة.. "أكيد القرار ده غلط"، "هما مش فاهمين حاجة"،
"لو كانوا سألوني كنت قلت لهم الحل" كل الناس عندها حلول لمشاكل البلد والحكومة( في حين أن مفيش حلول لمشاكلهم الشخصية).
وكأن هناك اتفاقًا غير مكتوب أن الأصل في أي قرار هو الخطأ، وعلى الشعب إثبات ذلك بكل الوسائل، حتى لو اضطر لاختراع أسباب جديدة.
المشهد الأكثر إثارة هو سرعة التحول. المواطن الذي كان قبل دقائق يناقش مباراة كرة قدم، يتحول فجأة إلى خبير اقتصادي يشرح آثار القرار على الناتج المحلي، ثم يقفز بسلاسة ليحل أزمة التعليم، وينهي حديثه بخطة لإصلاح الجهاز الإداري للدولة، وكل ذلك دون أن يترك الكنبة.
ولا يقتصر الأمر على النقد فقط، بل يمتد إلى الاعتراض على الاعتراض نفسه. فإذا أيد شخص قرارًا ما، وجد نفسه في مواجهة لجنة تحقيق شعبية تتهمه بأنه "مش فاهم"، أو – في أسوأ الأحوال – "مستفيد". وهكذا ندخل في حلقة لا نهاية لها، قرار، اعتراض، اعتراض على الاعتراض، ثم اعتراض على الاعتراض على الاعتراض… إلى ما لا نهاية.
اللافت أن هذه المتلازمة لا تفرق بين قرار وآخر. سواء كان القرار يتعلق ببناء كوبري، أو تعديل موعد إجازة، أو حتى تغيير لون صناديق القمامة. فالمبدأ واحد: "لا بد من الاعتراض، ثم نفكر لاحقًا لماذا اعترضنا".
وربما تكمن المفارقة الكبرى في أن هذا الشعب نفسه، إذا طُلب منه تقديم حلول عملية قابلة للتنفيذ، يدخل في صمت تأملي عميق، أو يكتفي بجملة عبقرية مثل "هما المفروض عارفين شغلهم".
في النهاية، لا يمكن إنكار أن النقد حق، بل ضرورة. لكن حين يتحول إلى رد فعل تلقائي بلا تفكير، يصبح أشبه بعادة يومية، مثل شرب الشاي، لا نسأل لماذا نشربه، فقط نشربه لأننا اعتدنا ذلك.
وهكذا، نعيش في وطنٍ جميل، لا تنقصه الآراء، ولا تندر فيه الحلول النظرية، لكنه ربما يحتاج فقط إلى هدنة قصيرة، نلتقط فيها أنفاسنا، ونسأل سؤالًا بسيطًا.. هل نعترض لأن هناك مشكلة فعلًا… أم لأننا فقط نحب الاعتراض؟
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق