في أحد الشوارع الهادئة لم يعد السكان يعرفون من يسكن بجوارهم وجوه تتغير كل يوم حركة غير معتادة وأبواب تُفتح وتُغلق دون استقرار مشهد لم يكن مألوفًا في الأحياء السكنية العادية لكنه أصبح يتكرر بشكل لافت في الفترة الأخيرة مع انتشار ظاهرة تأجير الشقق باليوم أو بالساعات والتي خرجت من نطاق المناطق السياحية لتفرض نفسها داخل عمارات سكنية يعيش فيها أسر وعائلات تبحث فقط عن الهدوء والأمان
أحد الملاك يرى أن الأمر لا يتجاوز كونه وسيلة للرزق في ظل ظروف اقتصادية صعبة حيث يؤكد أن الإيجار الشهري لم يعد يحقق عائدًا كافيًا وأن التأجير اليومي أصبح الحل الوحيد لتعويض فرق الأسعار وتحمل أعباء المعيشة ويضيف أن الطلب على هذا النوع من الإيجار في تزايد مستمر وأنه مجرد استجابة لاحتياجات السوق وليس خروجًا عن المألوف كما يراه البعض
لكن في الجهة المقابلة تبدو الصورة مختلفة تمامًا بالنسبة للسكان الذين يعيشون نفس التجربة يوميًا حيث تقول إحدى السيدات إن العمارة فقدت إحساسها بالاستقرار وإن وجود أشخاص غرباء بشكل مستمر جعل الجميع في حالة قلق دائم خاصة مع عدم معرفة هوية الداخلين والخارجين وتشير إلى أن الإزعاج لم يعد المشكلة الوحيدة بل أصبح الشعور بعدم الأمان هو الأكثر حضورًا في حياتهم اليومية
وبين هذا وذاك تقف القوانين في منطقة غير واضحة فلا يوجد تنظيم حاسم لهذه الظاهرة داخل الأحياء السكنية التقليدية وهو ما يفتح الباب أمام ممارسات مختلفة بعضها منضبط والآخر عشوائي تمامًا ومع غياب الرقابة الكافية يتحول الأمر من نشاط فردي إلى ظاهرة تتسع بهدوء دون ضوابط حقيقية توازن بين حقوق الملاك وراحة السكان
ومع انتشار مواقع التواصل والتطبيقات الإلكترونية أصبح الإعلان عن الشقق المفروشة وتأجيرها باليوم أمرًا في غاية السهولة حيث تكفي صور جذابة ووصف بسيط لتحويل أي شقة إلى مساحة مؤقتة يتغير روادها بشكل مستمر وهو ما يزيد من صعوبة السيطرة على الظاهرة أو حتى حصرها
المشكلة هنا لا تتعلق فقط بالإيجار كفكرة بل بتأثيراته الممتدة على شكل الحياة داخل المجتمع السكني حيث يفقد الجيران قدرتهم على التعارف ويختفي الإحساس بالألفة تدريجيًا لتحل محله حالة من التحفظ والترقب المستمر
وفي ظل هذا المشهد يظل السؤال قائمًا هل نحن أمام حل اقتصادي فرضته الظروف أم أمام تحول اجتماعي يحتاج إلى تدخل وتنظيم قبل أن تتسع دائرته بشكل يصعب احتواؤه
وبين حق البعض في استثمار ممتلكاته وحق الآخرين في الشعور بالأمان داخل بيوتهم تبقى الحقيقة الأوضح أن الظاهرة مستمرة في الانتشار وأن التعامل معها لم يعد يحتمل التأجيل.
خلود محمد احمد محمد
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق