بقلم أمل صالح سليم
اخصائية صحة نفسية
لم يعد الانتحار خبرًا صادمًا… بل أصبح خبرًا متكررًا.
نفتح أعيننا كل صباح على قصة جديدة: شاب أنهكه الفشل، مراهقة ابتلعتها المقارنة، رجل أنهكته الحياة حتى اختار الصمت الأبدي.
والسؤال الذي لم نعد نهرب منه:
هل نحن أمام حالات فردية؟ أم أمام وباء نفسي صامت يلتهم المجتمع ببطء؟
الحقيقة المؤلمة: نحن شركاء… ولو بالصمت.
مجتمع يضغط… ثم يتساءل لماذا انهار أبناؤه
نطالب أبناءنا بالنجاح دون أن نمنحهم أدوات الصمود.
نرفع سقف التوقعات… ونخفض مساحة الاحتواء.
نقارنهم بغيرهم… ثم نلومهم على الإحباط.
نصنع القلق… ثم نستغرب الاكتئاب.
مرض مثل الاكتئاب لم يعد حالة نادرة، بل أصبح رفيقًا خفيًا لكثيرين.
لكن بدلًا من الاعتراف به كمرض، نحاصره بالإنكار والوصم، وكأن الاعتراف به فضيحة.
السوشيال ميديا: مصنع الوهم الجماعي
في عالم Instagram وFacebook، لا أحد يعيش حياته كما هي.
الجميع يعرض نسخة مُعدّلة… مُفلترة… مثالية.
المأساة أن المتلقي لا يرى الحقيقة، بل يقارن نفسه بوهم.
وهنا تبدأ الكارثة:
إحساس دائم بالفشل… حتى لو كان يسير بشكل طبيعي.
نحن لا نستخدم هذه المنصات… نحن نُستهلك بداخلها.
الإعلام: هل ينقل المأساة أم يروّج لها؟
حين يتحول خبر الانتحار إلى مادة مثيرة للانتباه،
وحين تُنشر التفاصيل بلا مسؤولية،
نحن لا ننقل الحقيقة… نحن نعيد إنتاجها.
هناك فرق بين التوعية… والتطبيع.
اقتصاد يضغط… وإنسان ينهار
لا يمكن فصل الصحة النفسية عن الواقع المعيشي.
حين يشعر الإنسان أن كل الأبواب مغلقة…
وأن جهده لا يكفي…
وأن مستقبله غامض…
يتحول اليأس من شعور عابر… إلى قناعة.
أخطر ما في الأمر: أن المنتحر لا يريد الموت
هذه الحقيقة التي نتجاهلها:
معظم من يفكر في الانتحار لا يبحث عن نهاية الحياة…
بل يبحث عن نهاية الألم.
لكن حين لا يجد من يسمعه…
ولا من يفهمه…
ولا من يمد له يدًا…
يختار الطريق الأسوأ.
لماذا لم يعد العمر حاجزًا؟
لأن الأسباب لم تعد مرتبطة بمرحلة عمرية، بل بأسلوب حياة:
المراهق يعيش ضغط الهوية والتنمر الرقمي.
الشاب يصطدم بواقع لا يشبه أحلامه.
الكبير يواجه وحدة قاتلة وشعورًا بالتهميش.
النتيجة واحدة:
إنسان يشعر أنه غير مرئي… وغير مهم.
المواجهة: هل نملك الشجاعة أم سنكتفي بالرثاء؟
1. الاعتراف… لا الإنكار
أول خطوة هي الاعتراف بأننا أمام أزمة حقيقية،
لا حالات فردية عابرة.
2. تغيير خطابنا
كفى جملًا مثل:
"قوّي إيمانك"
"غيرك أسوأ"
هذه ليست حلولًا… بل أبواب مغلقة في وجه من يعاني.
3. دعم نفسي حقيقي
العلاج النفسي ليس رفاهية… بل ضرورة.
واللجوء لمتخصص ليس ضعفًا… بل وعي.
4. مسؤولية الأسرة
الاحتواء ليس تدليلًا…
والاستماع ليس ضعفًا في التربية…
بل هو ما قد ينقذ حياة.
5. إعادة ضبط علاقتنا بالسوشيال ميديا
ليس كل ما يُعرض حقيقة.
وما تراه ليس معيارًا لنجاحك أو فشلك.
6. إعلام مسؤول
نحتاج إعلامًا يعالج… لا يثير.
يوجه… لا يستغل.
الخلاصة: من ينقذ من؟
الانتحار ليس قرار لحظة…
بل نتيجة تراكم صمت، ضغط، تجاهل، ووحدة.
نحن لا نخسر أشخاصًا فقط…
نخسر قصصًا كان يمكن أن تُكتب… وأحلامًا كان يمكن أن تتحقق.
السؤال لم يعد: لماذا ينتحرون؟
السؤال الحقيقي:
لماذا لم ننتبه قبل فوات الأوان؟
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق