بقلم احمد منصور احمد غانم عضو المجلس المصري الدولي لحقوق الإنسان والتنميه
أعلن جوهر الصقلي «عهد الأمان»، ووعد المصريينن بحرية العبادة والأمن. لكن في قرارة نفوس الفاطميين كان طموح أكبر: تحويل مصر إلى معقل للدعوة الإسماعيلية. بدأ الأمر بهدوء، ثم تدرج حتى تحول إلى ملحمة مقاومة شعبية امتدت لأكثر من قرنين.
الأزهر: حلم الفاطميين:
في أبريل سنة 359 هـ (970 م)، بدأت أحجار الجامع الأزهر ترتفع في القاهرة الفاطمية الجديدة. سمّوه تيمنًا بفاطمة الزهراء، وكان يمثل رمز طموحهم الكبير في نشر المذهب. وفي 7 رمضان سنة 361 هـ (21 يونيو 972 م)، أُقيمت أول صلاة جمعة فيه، ليصبح سريعًا مركزًا لتدريس الفقه الإسماعيلي ونشر الدعوة الفاطمية.
لكن في الفسطاط القديمة، وفي جامع عمرو بن العاص، استمر المصريون يؤدون صلواتهم وفق المذهب السني، غير مبالين كثيرًا بالدعوة الجديدة. لم يكتفِ الفاطميون بالأزهر؛ أصدروا عملات نقشت عليها عبارة «علي ولي الله»، وأحيوا أعيادًا شيعية مثل عيد الغدير باحتفالات رسمية كبرى. كما بدأوا يحيون عاشوراء بطابع إسماعيلي مختلف، مما أثار استغراب الفلاحين والتجار العاديين.
غيّروا أيضًا بعض الأحكام: أعطوا البنات حق الإرث الكامل في حالات معينة، واعتمدوا الحساب الفلكي في تحديد بداية الصيام بدلاً من رؤية الهلال. كانت هذه التغييرات تبدو غريبة ومستجدة على أهل مصر الذين تمسكوا بتقاليدهم السنية العريقة.
الحاكم بأمر الله: العاصفة:
مع صعود الحاكم بأمر الله إلى الحكم عام 386 هـ (996 م)، تحولت القصة إلى دراما مشحونة بالتوتر. كان الحاكم شخصية غامضة تجمع بين الذكاء الحاد والتطرف في بعض قراراته. في عام 395 هـ (1005 م)، أصدر أوامر صادمة: حظر صلاة الضحى التي كان المصريون يحبونها، وألغى المذهب الشافعي رسميًا. ثم أمر بكتابة عبارات لعن الصحابة على جدران المساجد، وأعدم بعض علماء المالكية.
شعر المصريون أن هذه الإجراءات إعلان حرب مباشر على هويتهم السنية. والأغرب من ذلك أن الحاكم ادعى الألوهية في بعض الفترات، مما أثار في أزقة القاهرة همسات الدهشة والغضب: «كيف يدعي الخليفة أنه إله؟».
بلغ الغضب ذروته، فثار المصريون عام 406 هـ (1016 م)، وفي عام 410 هـ (1020 م) ثورة عنيفة قتلوا فيها بعض الدعاة الشيعة البارزين مثل حسن بن حيدرة الفارغاني (الأخرم) ومحمد البخاري (الدرزي)، وأحرقوا ممتلكاتهم. كانت تلك اللحظة إعلانًا واضحًا: مصر لن تتخلى عن هويتها السنية.
الجهاد والمقاومة:
لم تكن مقاومة المصريين مقتصرة على عهد الحاكم. منذ اليوم الأول لدخول الفاطميين، اندلعت ثورات متتالية في القاهرة والفيوم والصعيد. بين عامي 358 و427 هـ (969–1036 م)، سُجلت أكثر من خمسين ثورة مسلحة ضد السياسات الفاطمية. كان المصريون يقاتلون بالسيف تارة، وبالتمسك بالتقاليد تارة أخرى.
في قرى الصعيد وأحياء الفسطاط القديمة، استمر الناس يعلمون أبناءهم الفقه المالكي والشافعي سرًا وعلانية. ظل جامع عمرو بن العاص ملاذًا آمنًا لأهل السنة، حيث يجتمع العلماء والعامة ليدرسوا دينهم بعيدًا عن أعين الدعاة الفاطميين. كانت هذه المقاومة الثقافية والمسلحة معًا درعًا منيعًا حافظ على الهوية السنية في مصر.
التحديات: انقسامات وأزمات:
لم تكن المقاومة الشعبية العقبة الوحيدة. في عهد الخليفة المستنصر بالله (427–487 هـ / 1036–1094 م)، ضربت مصر أزمة اقتصادية رهيبة عُرفت بـ«الشدة المستنصرية» (450–464 هـ / 1058–1072 م). انتشر الجوع، وانهارت التجارة، ومات كثير من الناس. بدأ الناس يتساءلون: كيف يترك خليفة «معصوم» شعبه يتضور جوعًا؟
ثم جاءت الانقسامات الداخلية لتضعف الدولة أكثر. عام 487 هـ (1094 م) انقسمت الدعوة الإسماعيلية بين النزاريين والمستعليين، وبعد عقود، في 524 هـ (1130 م)، حدث انقسام آخر بين الحافظيين والطيبيين. أصبحت الدعوة الفاطمية مشتتة، مما قلل كثيرًا من جاذبيتها في أعين المصريين العاديين.
الأمل السني: ابن السالار وصلاح الدين الأيوبي:
في خضم هذه الظروف الصعبة، برزت شخصيات سنية أعادت الأمل إلى القلوب. عام 544 هـ (1150 م)، تبنى الوزير أبو الحسن بن السالار المذهب الشافعي، وساند العالم الجليل أبو طاهر أحمد السالفي في الإسكندرية. وبفضلهما بُنيت مدرسة شافعية كبيرة أصبحت منارة للتعليم السني.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق