بقلم / وليد عبدالنبي
الدراما ليست مجرد حكاية تُروى بل هي بناء فني محكم يقوم على الصراع والحبكة وتحول الشخصيات ومنذ التنظير الكلاسيكي عند أرسطو في كتابه فن الشعر أصبحت الدراما مجالًا للدراسة المنهجية التي تميز بين الأنماط وتبحث في وظيفتها الجمالية والأخلاقية وقد تطورت أشكال الدراما عبر العصور لكن جوهرها ظل ثابتًا وهو تمثيل الصراع الإنساني في أبعاده النفسية والاجتماعية والوجودية
تعد التراجيديا أو المأساة أقدم الأشكال الدرامية تنظيرًا وقد نشأت في اليونان القديمة وبلغت ذروتها في أعمال كتاب مثل سوفوكليس خاصة في مسرحية أوديب ملكًا حيث يتجسد البطل صاحب المكانة الرفيعة الذي يقوده خطأ مأساوي إلى السقوط وتقوم بنية التراجيديا على التحول الدرامي والانقلاب المفاجئ وصولًا إلى تحقيق التطهير النفسي لدى المتلقي من خلال إثارة الخوف والشفقة ووظيفتها لا تقتصر على إحداث الحزن بل تتجاوز ذلك إلى تعميق وعي الإنسان بحدوده وقدره
أما الكوميديا فهي ليست مجرد نقيض للمأساة بل هي صيغة فنية تعيد تقديم الصراع في إطار ساخر يكشف تناقضات المجتمع وتنتهي غالبًا بالمصالحة أو إعادة التوازن وتعتمد على تضخيم العيوب الإنسانية والنقد غير المباشر وتؤدي وظيفة إصلاحية من خلال السخرية الذكية بدلًا من الوعظ المباشر
الميلودراما شكل درامي برز بقوة في القرن التاسع عشر وانتقل لاحقًا إلى السينما والتلفزيون ويعتمد على الإثارة العاطفية المكثفة وعلى ثنائية واضحة بين الخير والشر وعلى تصاعد سريع للأحداث وهو نوع يركز على التأثير الانفعالي أكثر من التحليل الفلسفي ولذلك انتشر في الأعمال الجماهيرية المعاصرة التي تراهن على استثارة مشاعر الجمهور
ومع التحولات الاجتماعية في أوروبا ظهر ما يعرف بالدراما الواقعية التي سعت إلى نقل الحياة اليومية كما هي دون بطولات أسطورية أو مبالغات خطابية وركزت على شخصيات من الطبقة الوسطى أو الدنيا وعلى مشكلات حياتية مباشرة وقد نقل هذا الاتجاه الدراما من فضاء الأسطورة إلى فضاء المجتمع وجعلها أداة لتحليل البنى الاجتماعية وكشف اختلالاتها
الدراما النفسية تمثل تطورًا آخر حيث يتحول مركز الصراع من الخارج إلى الداخل وتصبح دوافع الشخصية وصراعاتها الباطنية هي المحرك الأساسي للأحداث ويغلب على هذا النوع البطء الإيقاعي المقصود والاهتمام بالتفاصيل الشعورية الدقيقة ويعكس هذا الشكل تأثير التحليل النفسي والعلوم الإنسانية في الفن الحديث
أما الدراما السياسية فتعالج قضايا السلطة والعدالة والصراع الأيديولوجي وتستخدم الحدث الدرامي لطرح رؤية فكرية أو نقد نظام اجتماعي معين وغالبًا ما تلجأ إلى الرمزية لتجاوز المباشرة وتقديم خطاب متعدد المستويات يمكن قراءته فنيًا وفكريًا في آن واحد
وفي العصر الحديث ظهرت الدراما المركبة التي تمزج بين المأساة والكوميديا وتعكس تعقيد الواقع الإنساني فلم تعد الحدود بين الأنواع صارمة بل أصبح العمل الواحد قادرًا على الجمع بين البعد النفسي والاجتماعي والسياسي في بنية واحدة وهذا التداخل يعكس طبيعة الإنسان المعاصر الذي لا يمكن اختزاله في قالب واحد أو تعريف نهائي
إن تصنيف أنواع الدراما ليس غاية أكاديمية فحسب بل هو وسيلة لفهم رؤية كل عمل للإنسان فالتراجيديا تكشف هشاشته والكوميديا تكشف تناقضاته والميلودراما تخاطب عاطفته والواقعية تعري مجتمعه والدراما النفسية تغوص في أعماقه والسياسية تكشف علاقته بالسلطة وبين هذه الأنواع جميعًا يبقى السؤال الجوهري هو ما الصورة التي تقدمها الدراما عن الإنسان في زمنها وكيف تعكس تحولات وعيه وقيمه عبر التاريخ.. بقلم...المؤلف والسيناريست. وليد عبد النبي
موفق دايما ولامام يارب
ردحذف