د. سوهير الطويل
استشاري نفسي واسري وتربوي
لم تُبنَ الأسرة في التصور الإنساني ولا في البناء الحضاري على فكرة الصراع بين الرجل والمرأة بل على مبدأ التكامل الذي يمنح كل طرف مساحة يقوم فيها بدوره ومسؤوليته وعندما يختل هذا التوازن لا ينهار جانب واحد فقط بل تهتز البنية كلها لأن الأسرة ليست عقدًا ماليًا بل نظام أدوار متشابك يقوم على الالتزام والوعي والقدرة على التحمل
القضية لا تتعلق بعمل المرأة ولا بنجاحها ولا بحقها في الكسب فهذه مسائل حسمها الواقع الحديث وأكدتها الشريعة التي أقرت للمرأة ذمتها المالية المستقلة وإنما تتعلق بتحول عميق يحدث عندما ينسحب الرجل من مسؤوليته الأساسية في الرعاية والإنفاق والقيادة ويستبدلها بالاتكالية الدائمة دون عذر قهري أو ظرف طارئ
في البناء النفسي للرجل يمثل العطاء المادي والمعنوي أحد أهم مصادر تقديره لذاته فالإنفاق في جوهره ليس عملية حسابية بل فعل التزام يرسخ شعوره بالقيمة والجدوى وعندما يتخلى الرجل بإرادته عن هذا الدور تتعرض صورته الداخلية للاهتزاز حتى لو حاول إنكار ذلك ومع الوقت قد يتولد شعور دفين بالنقص يتحول إلى توتر أو عدوانية دفاعية أو انسحاب كامل من اتخاذ القرار فيفقد البيت مركز توازنه القيادي ويتحول الحضور الرجولي إلى حضور شكلي بلا مضمون
في المقابل تتحمل المرأة العبء بدافع الحب أو الضرورة أو الحرص على استقرار الأبناء لكنها وهي تمارس دورين في آن واحد تبدأ في دفع كلفة نفسية باهظة لأن القيام بدور المعيل والحاضن والمدبر وصاحب القرار يخلق استنزافًا مستمرًا ومع غياب الشعور بالاستناد يتراجع الإحساس بالأمان الداخلي ويتبدل موقع الزوج في وعيها من شريك إلى شخص تعوله وهنا يحدث تحول دقيق في المشاعر يقل الإعجاب ويضعف الانجذاب ويتسلل النقد وتتشكل مسافة صامتة يصعب ردمها
الخلل لا يقف عند حدود الزوجين بل يمتد إلى وعي الأبناء الذين يتعلمون من النماذج الحية أكثر مما يتعلمون من النصائح فعندما يرون أمًا مثقلة بكل المسؤوليات وأبًا متراجعًا أو معتمدًا تتشكل لديهم مفاهيم مضطربة عن القيادة وتحمل الواجب وقد يكبر الابن وهو إما رافض لصورة والده أو مقلد لها وقد تكبر الابنة وهي تحمل عبئًا مبكرًا أو تخشى الارتباط خوفًا من إعادة إنتاج النموذج ذاته وهكذا يتحول الخلل الفردي إلى نمط عابر للأجيال
من المنظور الاجتماعي يفقد الزواج أحد أعمدته الأساسية وهو التوازن في توزيع المسؤوليات فالشراكة لا تعني ذوبان الفروق ولا تعني إلغاء الخصوصيات بل تعني أن يتحمل كل طرف نصيبه من الواجبات وفق قدرته واستعداده وعندما يتحول أحد الطرفين إلى متكئ دائم يختل ميزان الاحترام لأن الاحترام لا ينفصل عن الشعور بأن الآخر يؤدي ما عليه بصدق وجدية
أما من المنظور الديني فإن النص القرآني حين قرر مبدأ القوامة لم يقرره تفضيلًا مطلقًا ولا امتيازًا بلا مقابل بل ربطه بالمسؤولية والإنفاق وتحمل التبعة فالقوامة تكليف قبل أن تكون تشريفًا ومعناها القيام على شؤون الأسرة رعاية وحماية وإنفاقًا وعدلًا وعندما يتخلى الرجل عن هذا التكليف بإرادته فإنه لا يخل فقط بنظام اجتماعي بل يفرغ مفهوم القوامة من مضمونه الأخلاقي فيتحول من التزام عملي إلى شعار نظري
ينبغي التفريق بوضوح بين ظرف طارئ يفقد فيه الرجل عمله أو يمر بمرض أو أزمة فتقف الزوجة إلى جواره دعمًا ومساندة وهذا موقف إنساني نبيل يعزز الترابط وبين نمط حياة يقوم على الاتكالية الدائمة وغياب السعي والاكتفاء بما تقدمه الزوجة من دخل فيتحول الدعم المؤقت إلى قاعدة مستقرة ويغيب مشروع الاستعادة والتوازن
الأسرة الصحية ليست ساحة تنافس حول من يدفع أكثر وليست أيضًا مساحة يتوارى فيها أحد الطرفين خلف جهد الآخر بل هي كيان يحتاج إلى رجل يتحمل ويجتهد ويسعى ويؤدي ما عليه وإلى امرأة تشارك وتدعم وتبني معه دون أن تضطر لحمل العبء كاملًا وعندما يتخلى الرجل عن موقعه لا تتحرر المرأة بل تُثقل ولا يقوى البيت بل يضعف ولا ينشأ جيل متوازن بل جيل حائر أمام نموذج مضطرب
إن السؤال الحقيقي ليس من صاحب الدخل الأكبر بل من صاحب الالتزام الأصدق لأن الرجولة في معناها العميق ليست سلطة ولا صوتًا مرتفعًا بل قدرة على التحمل واستعدادًا لتحمل النتائج ووفاءً بالعهد الذي قام عليه عقد الزواج وحين يغيب هذا المعنى تختل المعادلة وتبقى الأسرة في حاجة إلى إعادة تعريف للأدوار يعيد إليها روحها قبل أن يفوت الأوان.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق