مقال: جيل بلا ذاكرة…
محرر صحفي ٠٠ نانسي صبحي
عندما أصبحنا ننسى بسرعة مخيفة
لم يعد الإنسان في هذا الزمن يعيش حياته… بل يمرّ بها مرورًا سريعًا، كأن الأيام مجرد “سكرول” طويل لا ينتهي.
صرنا نرى كل شيء، ونعرف كل شيء، لكننا لا نشعر بشيء.
الخبر الذي كان يهز العالم أيامًا، أصبح اليوم مجرد منشور يُنسى بعد دقائق.
والحادثة التي كانت تترك أثرًا في القلوب، أصبحت صورة تمرّ بين ألف صورة… ثم تختفي بلا أثر.
المشكلة ليست في كثرة الأحداث… بل في أننا أصبحنا نفقد القدرة على التفاعل الحقيقي.
صرنا نرى المآسي كأنها مشاهد فيلم، ونسمع عن الألم كأنه قصة لا تخصنا.
الغريب أن العالم لم يصبح أقسى فقط… بل أصبح أسرع.
السرعة لم تسرق الوقت وحده، بل سرقت المشاعر، وسرقت الذاكرة، وسرقت حتى “الدهشة”.
جيل اليوم لا يتذكر تفاصيل، لأن التفاصيل لم تعد تُعاش… بل تُستهلك.
نضحك بسرعة، نحزن بسرعة، نحب بسرعة، وننسى بسرعة… كأن القلب يعمل بنظام “الحذف التلقائي”.
الإنسان لم يعد يحتفظ بذكريات حقيقية، بل يحتفظ بصور.
أصبحنا نوثق اللحظة أكثر مما نعيشها، نلتقط الصورة قبل أن نشعر، ونكتب “أجمل يوم” دون أن نصدق ذلك.
حتى العلاقات لم تسلم من هذا الانهيار.
أصبح الفراق سهلًا، لأن البدائل كثيرة، والاهتمام صار مؤقتًا، والمشاعر أصبحت قابلة للاستبدال.
ووسط هذا كله، ظهرت أخطر ظاهرة:
أننا لم نعد نخاف من فقدان شيء… لأننا تعودنا على الفقد.
لكن السؤال الحقيقي:
هل المشكلة في العالم؟ أم فينا نحن؟
هل كثرة الضوضاء جعلتنا نفقد الإحساس؟
أم أن الإنسان أصبح يهرب من الشعور لأنه لم يعد يحتمل؟
في الماضي كانت الذكريات تُكتب في القلب…
أما اليوم فهي تُحفظ في الهاتف، وعند تغيير الهاتف تختفي الذكريات كأنها لم تكن.
إننا نعيش عصرًا غريبًا… عصرًا نعرف فيه كل شيء، لكننا لا نتوقف عند شيء.
نمتلك معلومات أكثر، لكن أرواحنا أقل امتلاءً.
ربما لهذا أصبح الحنين هو الشعور الأكثر صدقًا في هذا الزمن…
لأن الماضي على الأقل كان بطيئًا بما يكفي لنشعر به.
وفي النهاية… أخطر ما يمكن أن يحدث للإنسان، ليس أن ينسى الآخرين… بل أن ينسى نفسه. 🖤
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق