الأحد، 22 مارس 2026

الاستنزاف العاطفي في العطاء: حين يتحول الخير إلى أذى نفسي

د.سوهير الطويل 
استشاري نفسي واسري وتربوي 

ليس كل عطاءٍ رحمة، ولا كل تضحيةٍ فضيلة. فبين النُبل والاستنزاف خيطٌ دقيق لا يراه كثيرون إلا بعد أن يُنهكوا. هناك لحظة يتحول فيها العطاء من فعل حبٍ صافٍ إلى فعل استنزافٍ صامت، لحظة لا يصفق لها أحد، لكنها تُحدث في النفس تصدعاتٍ عميقة لا تُرى.
نُربّى منذ الصغر على أن العطاء قيمة مطلقة، وأن التضحية دليل حب، وأن إنكار الذات هو الطريق إلى القبول والرضا. لكن ما لا يُقال لنا هو أن العطاء إذا تجاوز حدوده، ولم يجد توازنًا، قد ينقلب إلى شكلٍ من أشكال الأذى النفسي. ليس لأن العطاء سيء، بل لأن الإنسان حين يُعطي من فراغه الداخلي، لا من امتلائه، يتحول إلى مستنزفٍ لا مُحِب.
الاستنزاف العاطفي لا يحدث فجأة، بل يتسلل بهدوء. يبدأ حين تُقدّم على نفسك الآخرين مرة، ثم مرات، حتى يصبح ذلك هو النمط. حين تصمت عن احتياجاتك، وتؤجل مشاعرك، وتُقنع نفسك أن ما تفعله هو "الصواب". لكن في العمق، يتراكم شعور خفي بالإنهاك، بالظلم، وربما بالغضب الذي لا يجد طريقه للتعبير.
الأخطر من ذلك أن الطرف الآخر قد يعتاد هذا العطاء، بل وقد يراه حقًا مكتسبًا، لا جهدًا يُشكر. وهنا تحدث المفارقة المؤلمة: كلما زاد عطاؤك، قلّ تقديرك. ليس لأنك بلا قيمة، بل لأنك لم تضع حدودًا تُذكّر الآخرين بأنك إنسان، لا مصدرًا مفتوحًا بلا نهاية.
الاستنزاف العاطفي يُفقد العطاء معناه. يتحول من فعلٍ حر إلى التزام ثقيل، ومن رغبة داخلية إلى واجب مُرهق. وقد يصل الأمر إلى أن تبدأ في كراهية ما كنت تحبه، أو النفور ممن كنت تُعطيهم بحب. هنا لا يكون العطاء فضيلة، بل عبئًا نفسيًا يُثقل الروح.
ومن الزوايا النفسية العميقة، فإن بعض الناس يعطون بهذا الشكل ليس فقط حبًا في الآخرين، بل خوفًا من الرفض، أو بحثًا عن القبول، أو محاولة لإثبات القيمة الذاتية. فيصبح العطاء وسيلة للهروب من شعور داخلي بالنقص، لا تعبيرًا عن وفرة داخلية. وهذا أخطر أنواع العطاء، لأنه لا يُشبع، بل يزيد الجوع.
التوازن لا يعني الأنانية، كما أن وضع الحدود لا يعني القسوة. بل على العكس، الإنسان الذي يعرف متى يُعطي ومتى يتوقف، هو الأكثر قدرة على الاستمرار في العطاء بشكل صحي. لأن العطاء الحقيقي لا يُلغي صاحبه، بل يُعبّر عنه.
أن تقول "لا" حين تحتاج، ليس خيانة للآخرين، بل وفاء لنفسك. وأن تُعطي بقدر طاقتك، لا بقدر توقعات الآخرين، هو شكل من أشكال النضج النفسي. فالقيمة ليست في كم تُعطي، بل في كيف تُعطي، ومن أين يأتي عطاؤك.
في النهاية، العطاء الذي يُرهقك ليس خيرًا خالصًا، بل رسالة داخلية تحتاج أن تُفهم. ربما حان الوقت لتسأل نفسك: هل أنا أُعطي لأنني أريد، أم لأنني أخاف؟ هل عطائي يُشبهني، أم يُفقدني نفسي؟
لأن أعظم ما يمكن أن تُقدّمه للآخرين… هو أن لا تخسر نفسك في الطريق.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot