الأحد، 22 مارس 2026

أكثر ما يأخذ بالألباب في قصص الأنبياء

بقلم احمد منصور احمد غانم عضو المجلس المصري الدولي لحقوق الإنسان والتنميه 
ان اكثر ما يأخذ بالالباب في قصص الانبياء أنها لم تبدأ من حيث يتوقع العقل أن تبدأ قصص التغيير الكبرى، بل بدأت من صبي يُلقى في اليَمّ، ومن شابٍ يُلقى في الجُبّ، ومن نبيٍّ يُلقى في البحر.. كلها بدايات ويكأنها نهايات!
وما يزيد مشاهدها إبهارًا أن الذين بدوا وكأنهم يتحكمون في مصائر غيرهم؛ كانوا يصنعون مصارع أنفسهم.. إخوة يوسف حين رموه في الجبّ ظنّوا أنهم يُغلقون بابًا فإذا بهم يفتحون طريقًا، وفرعون حين همّ بذبح من هابه أن يُزلزل عرشه إذا به لا يُربيه إلا عند عرشه.. كل سعيٍ منهم كان خطوةً في الطريق إلى خيبتهم!
سُنة الله تعالى الجارية في المغترّين بقوتهم؛ أنهم حين يبلغون من الغرور حدًا يرون معه أنفسهم فوق أن يُغلبوا، ففي تلك اللحظة نفسها قد بذروا بذور هزيمتهم.. الغرور بالقوة لا يجعل المغتر أعمى عن أعدائه فحسب، بل يجعله أعمى عن نفسه، فكل قرار يتخذه بمقدار قوته؛ ثقل بالقدر نفسه يسحبه إلى هاويته، فرعون لم يَهزم موسى رغم قوته، بل هُزم بسببها!
معجزة الأنبياء الكبرى ليست في تمكينهم، بل في أن الطريق إلى تمكينهم كانت مُعبَّدةً بأسباب هزيمتهم.. والقرآن إنما يقص علينا قصصهم بكثرة ليُرينا أن القوة الأقوى هي القوة الأقل إذا كان معها إيمان أكبر، وأن الأضعف ليس بشرط أن يكون الأقل قوة، بل ربما كان الأقل إيمانًا.. فالإيمان لا يُعطيك قوةً موازية، بل يُعطيك بصيرة مختلفة؛ ترى بها ما لا يُرى، وتصبر بها على ما لا يُحتمل، وتدفع بها ما لا يُقدر عليه.
ولهذا تظل قصص القرآن حيّةً في كل زمان، لأنها  في حقيقتها  لا تحكي عن فرعون بعينه ولا عن عادٍ بعينهم، بل تحكي عن سُنّن لا تتبدّل، أهمها: أن القوة المجردة من الحق غرورها أول أسباب زوالها.. 
{فأما عادٌ فاستكبروا في الأرض بغيرِ الحق وقالوا من أشدُّ منا قوةً أولم يروا أن اللهَ الذي خلقهُم هو أشدُّ منهم قوة}، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "كل كمال في المعلول فهو من العلة".

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot