نسوا الله فأنساهم أنفسهم
حين تُنسيك الدنيا آخرتك… كيف تستعيد نفسك قبل أن تفقدها؟
د.سوهير الطويل
استشاري نفسي واسري وتربوي
قال الله تعالى:
﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر: 19]
هذه الآية ليست مجرد وعظٍ عابر، بل قانونٌ إلهي دقيق:
من نسي الله… عوقب بأن نُزعت منه القدرة على فهم نفسه.
فالنسيان هنا ليس غيابًا عن الذاكرة، بل غياب عن المعنى.
أن تعيش… دون أن تعرف لماذا تعيش.
أن تمتلئ حياتك بالأحداث… ويظل قلبك فارغًا.
أولًا: كيف تُنسي الدنيا الإنسان آخرته؟
الدنيا لا تُنسينا الآخرة دفعة واحدة، بل تفعل ذلك بالتدريج:
تشغلنا بالصغير حتى نغفل عن الكبير،
وبالعاجل حتى ننسى الآجل،
وبالظاهر حتى نغيب عن الحقيقة.
قال الله تعالى:
﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم: 7]
فتجد الإنسان ناجحًا في تفاصيل حياته، لكنه خاسر في غايته.
يبني مستقبله… وينسى مصيره.
وقال النبي ﷺ:
"يقول ابن آدم: مالي مالي، وهل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت"
(رواه مسلم)
هنا يعيد النبي ﷺ ترتيب المفاهيم:
ليس كل ما تملكه هو لك… بل ما يبقى لك بعد موتك هو ما قدّمته.
ثانيًا: معنى “فأنساهم أنفسهم” تحريرًا
حين ينسى الإنسان الله، يُترك لنفسه…
ولكن أي نفس؟
نفسٌ تتقلب بين الشهوة والخوف،
تبحث عن الراحة فيما يُتعبها،
وتظن السعادة فيما يُرهق روحها.
قال تعالى:
﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية: 23]
أي أنه لم يعد لديه مرجع ثابت،
فصار هواه هو الحاكم،
فإن مال… مال معه، وإن انحرف… انحرف به.
وهنا تتحقق أخطر صور التيه:
أن يضل الإنسان… وهو يظن أنه مهتدٍ.
قال تعالى:
﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: 103-104]
ثالثًا: علامات من أنسته الدنيا آخرته
ليست المسألة في كثرة المال أو قلة العبادة فقط، بل في القلب:
أن يؤجل التوبة وكأن العمر مضمون
أن ينشغل بنظرة الناس أكثر من نظر الله
أن يفرح بالدنيا إن أقبلت، ويضطرب إن أدبرت
أن يثقل عليه الذكر، وتخف عليه المعصية
أن يشعر بفراغ رغم كل ما يملك
قال النبي ﷺ:
"من كانت الدنيا همه، فرق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كُتب له، ومن كانت الآخرة همه، جمع الله له أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة"
(رواه الترمذي)
رابعًا: كيف يستعيد الإنسان نفسه؟
العودة ليست معقدة… لكنها صادقة.
أن يستيقظ قلبه
قال تعالى:
﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الحديد: 16]
هي لحظة صدق مع النفس:
أنا بعيد… وأريد أن أعود.
أن يعيد ترتيب أولوياته
ليس كل مهمٍ أولى،
وليس كل عاجلٍ يستحق أن يأخذ مكان الآخرة.
أن يُكثر من الذكر لا كعادة بل كحياة
فالذكر لا يغير الظروف فقط… بل يغير الداخل.
قال تعالى:
﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]
أن يصاحب ما يذكّره بالله
فالقلوب تضعف وحدها… وتقوى مع من يوقظها.
أن يتذكر النهاية دائمًا
قال النبي ﷺ:
"أكثروا ذكر هادم اللذات"
(رواه الترمذي)
لأن من تذكر النهاية… صحح الطريق.
في الختام
الدنيا ليست خطأ…
لكن الخطأ أن تتحول إلى غاية.
والمشكلة ليست أن نعيش فيها…
بل أن نضيع فيها.
"نسوا الله فأنساهم أنفسهم"
ليست فقط وصفًا لحال، بل تحذيرًا من مصير.
فإن وجدت نفسك تائهًا… فاعلم أن الطريق لم يُغلق،
وأن الله الذي حذّرك… هو ذاته الذي ينتظرك.
فلا تؤجل العودة…
فأخطر ما قد تخسره ليس وقتك… بل نفسك.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق