الأربعاء، 18 مارس 2026

هل فقدت الأشياء قيمتها لأن كل شيء أصبح متاحًا؟

في زمنٍ مضى، كانت قيمة الأشياء ترتبط بندرتها. ما يصعب الوصول إليه كان يُقدَّر أكثر، وما يحتاج إلى جهد أو وقت كان يُنظر إليه باعتباره أثمن. لكن اليوم، تغيّرت المعادلة. فكل شيء تقريبًا أصبح متاحًا: المعرفة، الترفيه، المنتجات، وحتى العلاقات. وهنا يبرز سؤال عميق: هل أدّى هذا التوفر إلى تراجع القيمة؟
الوفرة غيرت طريقة إدراكنا للأشياء. عندما يصبح الوصول إلى أي شيء سهلًا وسريعًا، يقل الإحساس بتميزه. لم يعد الحصول على معلومة إنجازًا، ولا امتلاك منتج معين دليلًا على الندرة. بل أصبح كل شيء قابلًا للاستبدال، بضغطة زر.
لكن المشكلة لا تكمن في التوفر نفسه، بل في غياب المعايير. حين تتساوى أمامك آلاف الخيارات، يصبح من الصعب التمييز بين ما هو مهم وما هو عابر. ومع هذا التشتت، تفقد الأشياء معناها، لا لأنها بلا قيمة، بل لأننا لم نعد نمنحها التركيز الكافي.
كما أن الوفرة غيّرت سلوكنا. بدل أن نتمسك بما نملك، أصبحنا نميل إلى الاستبدال السريع. إذا لم يعجبنا شيء، ننتقل لغيره فورًا. هذا السلوك يقلل من ارتباطنا بالأشياء، وبالتالي يقل إحساسنا بقيمتها.
في المقابل، ظهرت أشكال جديدة من القيمة. لم تعد القيمة في “امتلاك الشيء”، بل في تجربته. ولم تعد في الكمية، بل في القدرة على الاختيار. في عالم مليء بكل شيء، تصبح الندرة الحقيقية هي: الوقت، والانتباه، والقدرة على التركيز.
وهنا تظهر مفارقة مهمة: كلما زاد التوفر، أصبحت القيمة الحقيقية في ما لا يمكن تكراره بسهولة، مثل تجربة إنسانية مميزة، أو معرفة عميقة، أو وقت هادئ بعيد عن الضوضاء.
في النهاية، لم تفقد الأشياء قيمتها تمامًا، لكنها تغيّرت. لم تعد القيمة في الشيء ذاته، بل في كيف نراه، وكيف نختاره، وكيف نمنحه من انتباهنا. ففي عالم تتوفر فيه كل الأشياء، تصبح القيمة الحقيقية هي أن تعرف ما يستحق أن تختاره أصلًا.
بقلم د نهي غانم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot