في زمنٍ لم تكن فيه المعرفة متاحة بسهولة، كان الجهل مفهومًا ومبررًا. الوصول إلى المعلومة كان يحتاج جهدًا ووقتًا وربما إمكانيات غير متوفرة للجميع. أما اليوم، فقد تغيّر المشهد بالكامل. بضغطة زر يمكن لأي شخص الوصول إلى كم هائل من المعرفة في مختلف المجالات. وهنا يبرز سؤال صادم: هل أصبح الجهل اليوم اختيارًا؟
ظاهريًا، قد تبدو الإجابة “نعم”. فالمعلومة لم تعد نادرة، بل أصبحت في متناول الجميع. لم يعد هناك عائق حقيقي يمنع الإنسان من التعلم أو الفهم. لكن الواقع أكثر تعقيدًا من ذلك.
المشكلة لم تعد في نقص المعلومات، بل في فيضها. نحن لا نعيش في عصر قلة المعرفة، بل في عصر التشبع بها. هذا الفيض الهائل يجعل من الصعب التمييز بين الصحيح والخاطئ، بين المهم والتافه. وهنا لا يكون الجهل دائمًا نتيجة رفض المعرفة، بل أحيانًا نتيجة الضياع وسطها.
هناك أيضًا عامل الراحة النفسية. فالمعرفة ليست دائمًا مريحة. أحيانًا تفرض علينا تغيير قناعاتنا أو مواجهة حقائق لا نرغب في رؤيتها. لذلك قد يختار البعض — بشكل غير واعٍ — تجنب المعلومات التي تتعارض مع أفكارهم، ويفضلون البقاء في منطقة مريحة من “الجهل الانتقائي”.
كما تلعب الخوارزميات دورًا مهمًا في هذا السياق. فهي لا تعرض لنا كل شيء، بل ما يتوافق مع اهتماماتنا السابقة. وهكذا يجد الإنسان نفسه محاطًا بمحتوى يؤكد ما يعتقده بالفعل، فيظن أنه يعرف، بينما هو في الحقيقة محصور داخل دائرة ضيقة من المعلومات.
وهنا تظهر مفارقة خطيرة: قد يمتلك الإنسان وصولًا كاملًا للمعلومة، لكنه لا يمتلك القدرة على فهمها أو تحليلها. فيتحول الجهل من غياب المعرفة إلى غياب الوعي النقدي.
في النهاية، لا يمكن القول إن الجهل أصبح اختيارًا مطلقًا، لكنه لم يعد عذرًا كما كان في الماضي. التحدي الحقيقي اليوم ليس في الوصول إلى المعرفة، بل في القدرة على اختيارها، وفهمها، والتمييز بينها.
ففي عصر تتوفر فيه كل المعلومات، لم يعد السؤال: ماذا تعرف؟
بل أصبح: كيف تفكر فيما تعرف؟
بقلم د نهي غانم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق