بقلم السيناريست وليد عبدالنبي
لم يبدأ الإنسان كلامه بالكلمات… بل بدأه بالفعل.
قبل أن تُولد اللغة، وقبل أن تُصاغ الجمل، كان هناك إنسان يقف أمام جدار صخري، يرسم، يقلّد، ويعيد تمثيل ما رآه… كأنه يحاول أن يفهم العالم بأن يعيده مرة أخرى.
هنا، في تلك اللحظة البدائية الصامتة، وُلدت الدراما.
لم تكن الدراما في بدايتها نصًا مكتوبًا، ولا عرضًا منظمًا، بل كانت محاولة إنسانية عميقة للفهم والسيطرة.
فالإنسان البدائي لم يكن يكتفي بأن يعيش الحدث، بل كان يشعر بحاجة ملحّة إلى إعادة تمثيله.
يرى الصيد… فيعود ليحاكيه.
يخاف من الحيوان… فيجسّد حركته.
ينبهر بالطبيعة… فيرقص على إيقاعها.
وكأن المحاكاة هنا لم تكن ترفًا، بل كانت أداة بقاء.
الرسم على جدران الكهوف لم يكن مجرد فن، بل كان فعلًا دراميًا مكتمل الأركان:
مشهد، بطل، صراع، ونهاية مأمولة.
حين كان يرسم الحيوان، لم يكن فقط يوثّقه، بل كان يحاول أن “يمتلكه” رمزيًا، أن يسبق الواقع بخيالٍ مُسيطر، وكأن الفن هنا يسبق الفعل.
ثم جاءت لغة الجسد…
الإيماءة، الحركة، الصوت البدائي… كلها كانت وسائل تعبير درامية قبل أن تُعرف الدراما كمصطلح.
الإنسان يقلّد… لأن التقليد هو أول طريق الفهم.
وهنا تلتقي هذه البدايات مع ما سيقوله الفلاسفة لاحقًا: أن المحاكاة هي جوهر الفن.
لكن الأعمق من ذلك، أن هذه المحاكاة لم تكن فردية فقط، بل كانت جماعية.
مجموعة من البشر يلتفون حول حدث، يعيدون تمثيله معًا، يشاركون فيه، يتفاعلون معه…
وهنا تتحول المحاكاة إلى تجربة مشتركة، إلى شيء يشبه ما نعرفه اليوم بالعرض المسرحي.
إنها ليست مجرد بداية لفن… بل بداية لوعي.
وعي الإنسان بنفسه، وبقدرته على إعادة تشكيل العالم، ولو في خياله.
فالدراما، في أصلها، ليست حكاية تُروى…
بل تجربة تُعاش، ثم يُعاد خلقها.
ومن منظور نفسي، يمكننا أن نرى في هذه البدايات ما يشبه ما يفعله الإنسان حتى اليوم:
حين يتعرض لحدث صادم، يعيد سرده.
حين يعيش تجربة قوية، يكررها في ذهنه.
وحين يعجز عن الفهم، يلجأ إلى “التمثيل” الداخلي.
كأن الإنسان، عبر العصور، لم يتخلَّ أبدًا عن حاجته إلى المحاكاة…
بل طوّر أدواتها فقط.
وهنا نفهم أن الدراما لم تُخلق للترفيه، بل وُلدت من الحاجة:
حاجة للفهم، للسيطرة، للتعبير، وللتخفيف من وطأة الواقع.
وماذا عنّا اليوم؟
نحن نظن أننا تجاوزنا تلك المرحلة البدائية… لكن الحقيقة أننا ما زلنا نفعل الشيء نفسه، بطرق أكثر تعقيدًا.
نحاكي عبر الشاشات، نعيش أدوارًا ليست لنا، ونعيد تمثيل مشاعرنا في صور مختلفة.
الطفل الذي يقلّد أباه…
المراهق الذي يتقمص شخصية يراها على الشاشة…
الإنسان الذي يعيش داخل قصة ليهرب من واقعه…
كلهم امتداد لذلك الإنسان الأول، الذي وقف يومًا أمام جدار صامت…
وحاول أن يجعله يتكلم.
وهكذا… لم تكن الدراما اختراعًا،
بل كانت دائمًا… جزءًا من طبيعتنا الإنسانية.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق