حينما تعتذر الأربعون عاماً عن "صفعة" واحدة
لطالما كانت عمتي بالنسبة لي هي "أيقونة" السكينة. كنتُ أرقبها من طابقي الثاني، وهي تسكن في الطابق الأول، وكأنني أرقبُ جداريةً فنيةً رُسمت بدقة؛ علاقتها بزوجها لم تكن مجرد زواج تقليدي، بل كانت "مقطوعة وفاء" يُعزف لحنها بالاحترام المتبادل والمودة التي لا تشيب.
ذات مساء، اقتربتُ منها وسألتها، وفي عينيّ تساؤلاتُ جيلٍ يبحث عن الأمان: "يا عمتي ، كيف استقام لكما هذا الودُّ أربعين عاماً دون أن يخدشه زمن؟ وكيف جعلتِ من بيتكِ محراباً لهذا الرقي؟"
تنهدت بعمق، وكأنها تستحضر رائحة الماضي، وقالت:
"يا بنيتي، لم يولد هذا الاحترام من فراغ، بل وُلد من رحم موقفٍ كاد أن يعصف بكل شيء، لولا أنني اخترتُ أن أكون عزيزةً ليكون هو كريماً."
في محراب التعب.. ووشاية العتاب
"تزوجتُه وأنا طفلة لم تفطمها الحياة بعد عن أحلامها، كنتُ في الخامسة عشرة، وكان هو في ريعان شبابه. في ذلك البيت الصعيدي العريق، حيث العملُ عبادة والجهدُ فرضٌ، كنتُ أسابق الفجر لأرعى 'الزريبة' واراعي البيت وأقوم على خدمة عائلة لا يهدأ ضجيجها.
في يومٍ مشهود، زارنا خالاته، وكنتُ حينها غارقةً في عرق التعب بين جدران البيت، لم يسعفني الوقت لأغسل عن يديّ عناء العمل وألقي عليهنّ تحية تليق. وعند رحيلهنّ، نفثن في أذنه سُمّاً مغلفاً بالعتاب: 'أهكذا أدّبت زوجتك؟ صارت تتعالى على خالاتك ولا تخرج لتحيتنا؟
الزلزال وانكسار المرآة
"دخل إليّ في منتصف الليل، وكان الغضبُ يشتعل في عينيه كالنار في الحطب. لم ينتظر حرفاً واحداً ليشفع لي، بل بادرني بصفعةٍ هوت على وجهي، فسقطت معها كل الصور الجميلة التي رسمتها له في مخيلتي.
في تلك اللحظة، لم أبكِ ضعفاً، بل انتفضتُ كرامةً. قلتُ له والدمعةُ محبوسة في كبريائي: 'انتهى كل شيء.. فمن لا يرى تعبي، ويستقوي عليّ لإرضاء غرور أهله، ليس لي بظهرٍ ولا سند. اتركني لرحيلي، فلا مقام لي في أرضٍ تُهان فيها كرامتي'."
"رأى في عينيّ في تلك الليلة امرأةً لا تبيع نفسها ولو بكنوز الأرض. أدرك أن تلك الفتاة الصغيرة تملك قلباً لا يُكسر، فما كان من ثورته إلا أن استمالت خجلاً. انحنى على رأسي مقبلاً، وأقسم بعهود الرجال أن يده لن تمتدّ، وأن أذنه لن تسمع فيّ واشياً بعد اليوم إلا وصدري هو مآله الأول والأخير. فهو ليس له أحد غيري
منذ ذلك التاريخ، لم تمر ليلة إلا والحبُّ ثالثنا، والتفاهمُ رابعنا. لقد علمتُه في تلك الليلة أنني لستُ مجرد 'زوجة'، بل أنا 'كيان' إن لم يحمهِ هو، لم تستقم له في عيني هيبة
خاتمة
هكذا كانت قصتها.. درساً في أن "الرقي" ليس كلماتٍ تُقال، بل هي مواقفُ تُتخذ، وأن الحبَّ الذي لا يسوره الاحترام والتفاهم هو بناءٌ من رمال تذروه الرياح.
الكاتبة والشاعرة سالى النجار
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق