مرت أسابيع مِن العمل والاجتهاد حتى أنتهى "رفاعي" مِن تجهيز أوراق سفر "محمد".
أمسك بالهاتف، وأتصل بإبنه، الذي ما زال يقاوم وجعه اليومي مِن فوق كرسيه المتحرّك، بعد أن أعتاد أن يسير الحياة برجليه، فإذا به يتحرك برِجلٍ واحدة مِن بعد العملية، لكن سرعان ما تعود وتأقلم على هذا الوضع ، ولكن أعتاد على وقوف أخيه "أحمد" بجانبه دائما ، لذلك حين أتصل "رفاعي ...بمحمد "
قال له رفاعي .....
– "محمد.....؟
جهّز نفسك يا بطل... سفرك قرب."
قالها "رفاعي" بصوته الذي حمل فرحةً مشوبة بالمسؤولية.
– "أنا.....؟!
سوف أسافر....؟!"
نطقها "محمد" وكأنه لا يصدق.
– "نعم، تسافر يا إبني... عند نزول "أحمد" بأول أجازة مِن الجيش، سوف يساعدك تستخرج جواز السفر... وأنا هنا إنتهيت مِن إجراءات بعض الأوراق."
لم يستطع "محمد" أن يرد.
سكت، ثم أجهش بالبكاء... لأول مرة منذ جلوسه على الكرسي شعر أن الحياة تعود لتربت على كتفه، وأن هذا الكابوس ربما لم يكن نهاية.
حين جاء "أحمد" في أول إجازة له بعد شهر، لم يتأخر لحظة، خرج مع "محمد" على كرسيه المتحرك – كما أعتاد أن يحمله منذ وقت العملية حين بترت قدم "محمد"،
– وذهب به إلى مصلحة الجوازات، وساعده في إنهاء كل الإجراءات.
ثم جاءت الإجازة الثانية، وكانت في نفس يوم سفر "محمد".
في البيت، دبت حركة غير عادية. "سحر" كانت تُعدّ حقيبة "محمد" بحماس الأم، بينما "آمال" ترتّب الأوراق والملفّات، وعيناها تدمع وتضحك في آن واحد.
كان "محمود" يراقب المشهد بصمت الرجال، أما أحمد فكان مشغولاً بتفاصيل الرحلة ومتابعة التوقيتات كضابط يُعدّ لمعركة مِن أجل أخيه.
دخلت "أم السيد" جدتهم عليهم وهي تقول بصوتها الحنون: – "يا أولادي، هذا يوم عيد..!
الذين يتفرّقوا لابد أن يجتمعوا... والفرحة هي التي تأتي مِن بعد صبر، لا تقدر بقيمة الدنيا وما فيها."
ضحكت "سحر" وقالت:
– "محمد" لم يسافر بمفرده... أنه ذاهب ليكمل نَفَس العائلة هناك."
قال "محمود:
– "وحياة يعيشها بأمريكا بإذن الله يا جدتي ستذهب له قريباً، سوف نتجمع مع بعضنا مرة أخرى."
تقدّم "محمد" بعربته المتحرّكة، نظر إليهم جميعًا، وقال بصوت خافت لكنه مليء بالإصرار: – "أنا لم أسافر... لمجرد السفر بل سأبدأ مِن جديد."
ضمّه "أحمد" مِن كتفه، وقال له بحب:
– "ونحن ظهر لك دائمًا، يا محمد." بقلم عاشقة الوطن..سحر غانم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق