مرت الشهور في "نيويورك" على إيقاعٍ ثابت، كأن الوقت هناك لا يتحرك، بل يعدو بلا توقف.
كانت "أنْعام" قد اعتادت طريق المصنع، ووجوه العاملات، ورائحة القماش الحار مِن مكاوي البخار، وتعلّمت كيف تبتسم وهي متعبة، وكيف تُخبئ الحنين في جيب معطفها الطويل.
أما "رفاعي"، فكان لا يقلّ عنها صبرًا ولا تعبًا.
يعمل في مصنع آخر، يبدأ عمله مع أول خيط للفجر، ويعود مع آخر ومضة مِن الغروب.
في كل ليلة يجلس إلى جانبها، يفتح دفترًا صغيرًا فيه أرقام بالدولار، وأسماء أولادهم.
ذات مساء، جلسا سويًا على الطاولة الصغيرة في المطبخ، ففتح "رفاعي" الدفتر، نظر إليها بعينٍ فيها شيء مِن القرار، وقال:
"أنعام…نحن جاهزين لنجهز أوراق أول واحد مِن الأولاد."
نظرت إليه بدهشة ممزوجة بفرحة مشوبة بالخوف، همست:
"تحكي عن مٓن....؟"
أجاب بهدوء:
"محمد…أكتر شخص يحتاج أن يخرج مِن قوقعته… يحتاج إلي أمه وأبوه.
خصوصًا بعد استدعاء "أحمد" للجيش.
الولد أصبح في البيت مِن غيره سوف يتركه الذهاب إلى الجيش، والكرسي يكسر قلبه كل يوم ويجعله يبكي على حاله بمفرده."
في "مصر"، كان "أحمد" يستعد لدخول التجنيد، حزم حقيبته بحذر، كل طيّة فيها وصية لأهله.
ودّع والدته عبر الهاتف، وطلب منها أن تدعو له.
قالت له "أنعام"، مِن خلف المحيط:
"أنت سند أخوتك… أدخل لتأدية الواجب برجولتك، واثبت كرامتك، وأهتم بنفسك يا ابني."
كان "محمد" في ذلك اليوم أكثر صمتًا مِن المعتاد.
رأى أخاه يحمل الحقيبة، ولم يقوَ على قول كلمة.
فقط أقترب منه، ومدّ يده المرتعشة ليصافحه.
قال له "أحمد" وهو يقبّل رأسه:
"أنا ذاهب للجيش وفي أقرب إجازة أكون معك… ولكن يا أخي أنا تعلمت منك أشياء كثيرة وأهمها قوة الإرادة والصبر ."
كان "محمود" في الزاوية، عينيه تبرقان بحزن دفين، أما "سحر" فكانت تمسك بذراع "محمد" طوال الوقت عند حديث "أحمد" له، كأنها تمنعه مِن الانهيار، وتحميه من الشعور بأنه أصبح "بلا ظهر".
في البيت، استمرّت الحياة على نمطها المعروف:
"آمال" تطهو الطعام وتساعد الجدة في كل شيء.
"سحر" تتابع دراستها وتراجع "لمحمود" دروسه، وتحاول أن تبقي الأمل حيًا في زوايا البيت، حتى حين تغيب الإبتسامة.
لكن القلق كان يخيم بين الحين والآخر كغمامة صيفية ثقيلة…
متى ينقشع هذا الغياب....؟
متى يعود شيء مِن الدفء القديم.....؟
وفي "نيويورك"، جلست "أنعام" أمام الهاتف، تتحدث مع والدتها بصوت خافت:
"أمي… "رفاعي" قرر يرسل "لمحمد" للمجيء إلى أمريكا للعيش معانا… الولد مجهد نفسياً، أشتقت لأضمه بحضني قبل أن تأخذنا الغربة وهو يحتاج لنا في هذا الوقت آكثر من أي وقت آخر."
ردت الجدة بصوت حنون وحاسم:
"افعلي ما شيئتي يا ابنتي… أنا هنا مع الباقيين، وكلنا منتظرين عودة "محمد" للضحك مِن قلبه مرة أخرى والإطمئنان عليه."
وبدأت التحضيرات:
في تجهيز الأوراق، و التقارير الطبية…
كان "رفاعي" يتنقل بين المؤسسات، يجمع الأوراق، ويوقع على المستندات، وكأن كل توقيع هو حجر يُبنى به جسرًا جديدًا بين قلبين.
كانت "أنعام" تخيط بيديها بطانة معطف جديد "لمحمد"، تضع فيه جيوبًا إضافية، وتدسّ في أحدها دعاءً مكتوبًا على ورقة صغيرة:
"اللهم أجعل قدومك علينا فتحًا وبركة، يا محمد."
في "مصر"، لم يكن "محمد" يعرف بعدُ، لكنّ شيئًا في قلبه تغيّر في الأيام الأخيرة، كأنه بدأ يشعر أن الغد ليس مظلمًا.
سأل "سحر" ذات ليلة:
"هل أمي… سوف تعود عن قريب....؟"
قالت "سحر" وهي تبتسم:
"أعتقد أنها لن تأتي ،ولكن يمكن أن ترسل لأحد مِن بيننا لتأخذنا واحد تلو الآخر… تحب أن تكون أول مٓن يذهب... لأمريكا يا محمد......؟"
ظل صامتًا، ثم ابتسم بهدوء، لأول مرة منذ أسابيع مِن وقت دخول "أحمد" الجيش، وقال:
"أتمنى أنام في حضن أمي دون أن يكون حلم......؟"
قالت "سحر":
"ومِن غير أن تحلم تكن حقيقة بإذن الله تعالى."
في ذلك المساء، بعد أن نام الجميع، كتبت "سحر" في دفترها الصغير:
"الغربة ليست دائمًا بُعد…بعض الأوقات تكون طريق للرجوع، ولكن مِن باب آخر."
وفي "نيويورك"، أغلقت "أنعام" النور، وهمست قبل النوم:
"اللهم قرّ عيني برؤيته، وبارك لنا في هذه الخطوة." بقلم عاشقة الوطن...سحر غانم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق