الخميس، 26 مارس 2026

صدمه العمر

 
بين أروقة الهدوء الذي كان يلفّ منزلي، وتحت ضوء خافت يبعث على السكينة، انشق صمت المكان فجأة بصرخات جرس الباب المتتالية، نبضاتٌ معدنية محمومة تشي بوقوع خطب ما. هرعتُ لأفتح، فإذا بجارتي -التي اعتدتُ رؤيتها كأيقونة للرزانة- تقف أمامي كعصفور بلله المطر في ليلة عاصفة؛ جسدها ينتفض، ودموعها تنهمر في صمت مرير يحكي وجعاً أعمق من الكلمات.
لحظة الانكسار
احتويتها بين ذراعيّ، قدتها إلى الداخل كمن يقود طفلاً تائهاً. أحضرت لها كوباً من الليمون البارد لعلّه يطفئ شيئاً من لظى صدرها، وجلستُ بجانبها، أمسح بيدي على كتفها وأجفف دموعاً لم تكن تتوقف. سألتها بقلب واجف: "ما بكِ  هل مسّ سوءٌ صغارك؟ طمئنيني
شهقت وكأن روحها ستخرج مع زفيرها وقالت:
ليت الوجع كان فيّ لا في قلبي.. اكتشفتُ الخديعة. زوجي، رفيق الدرب، متزوج من زميلته في العمل "عرفياً"! وعندما واجهته أجابني ببرودٍ يقتل: (لماذا الغضب؟ عام كامل مضى ولم تشعري  فاشكري الله أنه زواج عرفي وليس رسمياً!)
أكملت بنبرة يملؤها الذهول: "عشر سنوات من الزواج، تسبقها خمس من الحب الجامعي الطاهر.. وفي النهاية يختزل كل ذلك في زواج سري
حاولتُ تهدئتها بلغة المنطق، لكنها نظرت إليّ بعينين يملؤهما العتب وقالت: "أنتِ تتحدثين ببرود لأنكِ لا تشعرين بناري. ماذا لو فعل زوجكِ فعلته؟ هل ستظلين بهذه المثالية؟"
هنا، ساد صمتٌ قصير، استجمعتُ فيه كبريائي قبل مشاعري، وقلت لها بصوت هادئ كهدوء ما قبل العاصفة:
"ومن قال لكِ إني لا أشعر؟ لكن اسمعيني جيداً  أنا لن أغضب من زوجي إذا قرر الزواج بأخرى بوضوح، لأني حينها لن أكون على ذمته؛ فالصراحة عندي هي سقف البيت الذي نسكنه. لكن، أن يأتيني من الأبواب الخلفية، أن يخونني سراً، فهنا تنتهي لغة العتاب وتبدأ لغة القضاء
تابعتُ بحزم: "الرجل الذي يخون في الخفاء لا يكسر قلباً فحسب، بل يهدد حياة؛ قد ينقل لي أمراضاً بسب علاقات مشبوهة لا تليق باسمي ولا بكرامتي. الرجل يهرب من زوجته حين يراها قد فقدت بريقها، حين يراها ذابت في تفاصيل البيت حتى تلاشت شخصيتها، فلم يعد يرى فيها تلك المرأة التي عشقها، بل شبحاً لذكرى قديمة.
أمسكتُ يدها وضغطتُ عليها بقوة وقلت:
"أنا امرأة تؤمن بأن الرجل الذي لا يضيف سعادةً لأيامي لا يستحق أن يشغل حيزاً في حياتي إذا أراد الرحيل، سأفتح له الباب بكل رقي، وسأبتسم له ليس حباً، بل يقيناً بأنه هو الخاسر الوحيد؛ فقد خسر امرأةً مثلي لا تتكرر. أما الدموع والعويل ومحاولة التمسك بظل رجل باع الوفاء، فهي انتحار للكرامة.
ختمتُ قولي بكلمات صلبة كالماس:
لو فعلها زوجي، سأخلعه بقلبٍ بارد، وبلا دمعة واحدة.. فالحزنُ غالٍ، ولا يُهدر على من استرخص ثقتي 
إلى كل امرأة وجدت نفسها فجأة أمام خديعة لم تتوقعها، تذكري هذه الكلمات:
"أنتِ لستِ الخاسرة في هذا المزاد، بل أنتِ الثمن الذي لم يستطع هو الحفاظ عليه. كرامتكِ هي التاج الذي تضعينه فوق وجعك، فمن كسر ميثاقاً غليظاً في السر، لا يستحق منكِ دمعة واحدة في العلن. اجعلي غيابكِ عقاباً، وصمتكِ عزة، ولا تسمحي لأحد أن يُشعركِ بأن قيمتكِ نقصت لأن أحدهم لم يعرف كيف يقدّر الكنز الذي بين يديه. بيتكِ الحقيقي هو نفسكِ، فلا تسمحي لأي عابر أن يهدم جدران ثقتكِ بذاتك
الكاتبة والشاعرة سالي النجار

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot