لم تكن تعلم "سحر" كيف ستخبر أمها "أنعام" وأخيها "محمد" بما حدث. كانت الكلمات تخنق حلقها، والصوت يهرب كلما حاولت أن تنطق بالحقيقة.
لكنها اضطرت أن تواجه الألم، وتلتقط الهاتف، وترمي بالجراح على مسامع أحب الناس إليها.
كان الاتصال الأول مع "أنعام"، الأم التي لم تعرف سوى الحنان والخوف على أولادها.
– "ماما..."
– "أيوه يا بنتي... خير؟"
– "ادعيلي... ادعيلي أكون أقوى من اللي حصل..."
– "سحر! مالك؟ في إيه؟!"
– "عمر يا ماما... عمر غرق في البحيرة..."
– "يا نهار أبيض... إنتي بتقولي إيه؟!!!"
وصمتت "أنعام"... لا بكاء، لا صوت... فقط دموع تفرُّ من عينيها كأنها تسابق روحها الهاربة من هول الخبر.
---
أما "محمد"، فقد كانت صدمته أشبه بالزلزال، لكن قلبه المؤمن جعله يقف رغم الارتباك والضياع.
اتصل بسحر فورًا، بصوتٍ منهك:
– "سحر، أنا جاي... أنا وأمي جايين فورًا... خليك قوية."
ووصل محمد ووالدته إلى الولاية الأمريكية التي تسكن بها "سحر"، ولم يكن المشهد سهلًا...
جلس "محمد" أمام جثمان ابنه "عمر"، لا يصدق، لا يعي، وكأن كل شيء أصبح ضبابًا حوله.
– "ده ابني... ده عمر اللي كنت بشيله على كتفي... ده اللي كنت بحلم أفرح بيه... يا رب..."
كان يبكي بكاء هستيريًّا، يُنزع من صدره نزعًا.
اجتمع أفراد العائلة حوله، يواسونه، يحتضنونه، يذكّرونه بقضاء الله وقدره.
قال له أحدهم:
– "اصبر يا محمد... ده امتحان من ربنا، وربك ما بيضيع الأجر."
فرد محمد، وهو يغالب العبرة:
– "أنا ما بلومش سحر... أبداً... هي أختي... دي أمانة وربنا استردها... ده عمره... ومكتوب عليه كده."
---
تم الدفن وسط أجواء مهيبة، والحزن يخيم على الجميع.
كان "محمد" يتلو القرآن على ابنه، ويدعو له:
– "اللهم اجعل قبره روضة من رياض الجنة... واغفرله... واربط على قلبي يا رب..."
وعادوا جميعًا إلى بيت "رفاعي"... البيت الذي صار صامتًا رغم امتلائه بالبشر.
العيون دامعة، والكلمات قليلة، والذكريات كثيرة.
أما "سحر"، فكانت تعيش صدمة لم تختفِ.
كانت تتحرك في يومها كأنها جسدٌ بلا روح.
لم تكن قادرة على النظر في عيني أمها أو أخيها... كانت تقول في داخلها:
– "أنا السبب... أنا الأم التي خذلت."
لكن مرت الأيام... ولم يمر الحزن.
كان "عمر" حاضرًا في أحاديثهم، في جلساتهم، في كرسيه الفارغ، في ضحكاته التي لا تُنسى.
كان عمره عند وفاته ثلاثة عشر عامًا... لكن أثره بقي أبد الدهر.
---
ومع مرور الشهور، عاد كل فرد إلى حياته، إلى عمله، إلى مسؤوليته...
لكن "سحر" لم تعد كما كانت.
صارت أكثر صمتًا، أكثر تأملًا، أكثر اتصالًا بالله.
كانت تعمل مع زوجها في المطعم الأمريكي بجد، بحب، لكن دائمًا كان في ذهنها طيف "عمر" يمر، يبتسم، ثم يختفي.
وفي أحد اللقاءات العائلية، جلس محمد بجوارها وقال لها:
– "سحر..."
– "نعم يا محمد..."
– "كفاية جلد للذات يا أختي... اللي حصل ده قدر الله... لا ذنب لكِ... ده يومه."
– (بصوت متحشرج): "بس أنا المسؤولة عنه يا محمد... كنت أمانة عندي."
– "وكلنا أمانات يا سحر... وكلنا هنرجع... وقل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا..."
دمعت عيناها، وأومأت برأسها، ولم تقل شيئًا.
---
كانت الأسرة تتجمع كل عطلة أسبوعية، كما اعتادوا، على مائدة واحدة، يجلسون كأغصان شجرةٍ لا تزال متماسكة رغم الريح.
الأب "رفاعي أبو بكر" صار عجوزًا... الشيب غطى رأسه، والتجاعيد رسمت على وجهه خرائط عمر طويل.
قال لهم ذات مرة، بصوتٍ فيه الحكمة:
– "اشتغلوا مع بعض... كأنكم روح واحدة... ما تسبوش بعض أبدًا... الحياة صعبة، ومفيش سند إلا الأهل."
ضحك الأبناء، وتحلقوا حوله.
فقال له "أحمد":
– "إنت تعبت كفاية يا بابا... ريّح بقى."
وقالت "سحر":
– "إحنا دعمك زي ما كنت طول عمرك دعم لينا."
ابتسم "رفاعي"، ونظر إليهم نظرة فخر:
– "أنا ربيت رجالة وستات يشيلوا بعض... أنا مطمن عليكم."
---
سحر، رغم كل شيء، ظلت فخورة بنفسها، بأسرتها، بأصولها.
كانت نموذجًا للأم المصرية المكافحة، للأخت الداعمة، للابنة الوفية، وللزوجة الصبورة.
وفي قلبها... كانت تحمل حكاية.
حكاية امرأة لم تكسرها المأساة، بل صقلتها...
امرأة تعرفت على الحزن، فصارت أقرب إلى الله، وإلى نفسها.
وكانت رحلة سحر غانم ما تزال مستمرة... تحمل فصولًا من الألم، والحب، والتحدي...
لكنها، في كل مرة، تنهض. بقلم عاشقة الوطن...سحر غانم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق