كانت الشمس تشرق على بيت "رفاعي" بنور جديد، نور يشبه الفرح المنتظر منذ سنوات، يشبه "سحر" حين تبتسم، ويشبه قلب أم ضحّت كثيرًا حتى ترى أولادها يزهرون.
مرّت السنوات، وكبرت "سحر..." ولم تكن تلك الطفلة الصغيرة التي كانت تستند إلى صدر أمها في الليالي الباردة، بل صارت امرأة ناضجة، أنهت دراستها بامتياز، وباتت على أعتاب زواجها ممن أحبّها وأخلص لها.
"محمد غانم"، ذلك الشاب الذي بدأ رحلته بخطى بسيطة في أحد المطاعم الصغيرة، كان لا يرضى إلا بأن يقدم لها السعادة بيده، يكدّ، ويعمل ساعات طويلة، وكل حلمه أن ترى "سحر" فيه السند والراحة، لا مجرد زوج.
وقبل موعد الزفاف بأيام، كانت "سحر" تجلس مع والدها "رفاعي" في فناء البيت، تحت ضوء المصباح الهادئ، والليل يتهامس حولهما.
قالت له بصوتٍ ممتلئ بالشوق:
– "بابا... ممكن تطلب من ماما تتصل بجدة ذكية...؟
أنا عاوزاها تكون معانا في فرحي... مشتقتش لحد زي ما اشتقت لها."
نظر إليها "رفاعي" بحنان، وكأن الزمن عاد به عشرين سنة إلى الوراء:
– "أكيد يا بنتي... ماينفعش الفرح من غير أمك الكبيرة... ولازم الفرحة تكمل بينكم."
وفي اليوم التالي، كانت "أنعام" تمسك الهاتف بيدٍ ترجف، وصوتها يخنق دموع الشوق وهي تقول:
– "يا أمه... "سحر" هتتجوز، وعاوزينك معانا... الفرح ما يكملش من غيرك."
من الطرف الآخر، جاء صوت الجدة "ذكية..." ضعيفًا، لكن قلبه قوي:
– "هجيلكم يا "أنعام..." دي "سحر" دي قطعة من قلبي... لازم أكون جمبها."
وجاء يوم الزفاف.
البيت امتلأ بالألوان والفرحة، وأطلت "سحر" كالقمر، بثوب أبيض كالفجر، وعيونها تتلألأ كأنها تحمل كل ما مرّ بها من صبر وانتظار.
وفي وسط الزغاريد، دخلت الجدة "ذكية" وهي تسند على ذراع إحدى قريباتها، وما إن رأت "سحر" حتى فتحت ذراعيها وقالت بصوتٍ مخنوق:
– "تعالي لحضني يا بنتي... أنا هنا... أنا جيت."
انطلقت "سحر" نحوها، ودفنت وجهها في صدر جدتها، تبكي وتضحك، ووراءها "أنعام" تمسح دموعها وهي تردد:
– "الحمد لله... الفرحة كملت."
وكان الزفاف بسيطًا، لكن قلب "محمد غانم" كان أغنى من أي قصر... وعدها بحبٍ لا يخفت، وها هو يفي بوعده أمام الجميع.
مرت الشهور، وتحولت الأيام إلى أعوام، وكل فرد من عائلة "رفاعي" كتب لنفسه فصلًا جديدًا:
"سحر"، بطلة الحكاية، أنجبت من "محمد غانم" أربعة أطفال:
"سوزي" الهادئة، و"أميرة" المبدعة، و"أمينة" الطيبة، و"محمد" الصغير الذي يشبه والده في ابتسامته ونظرته الحنونة.
وكانوا جميعًا "قدوم خير"، فازدهر مطعم "محمد"، حتى أصبح من أصحاب الأعمال الناجحين، وأصبح اسمه معروفًا في "نيويورك"، لا من أجل الطعام فقط، بل لأنه كان يحترم الناس... كما كان يحترم "سحر".
أما "محمد رفاعي"، فأنجب "دينا" الرقيقة و"عمر" الذكي، وكان بيتهم يعجّ بالحب.
"أحمد"، الذي تزوج من فتاة "بولندية"، أنجب "سمنتا" و"أماندا" و"آدم"، وعاش بينهم حياةً تجمع بين الشرق والغرب، وتولى إدارة فندق فاخر، جمع فيه الدقة الأوروبية وكرم المصريين.
"محمود"، الأصغر الذي أصبح شابًا متزنًا، تخرج من كلية المحاسبة، وتعين في أحد البنوك الكبرى، وتزوج من فتاة مصرية طيبة، وأنجب طفلًا جميلاً سمّاه "زين"، لأنه كان زينة قلبه وبيته.
وفي بيت "رفاعي" وأنعام، لم تهدأ الضحكات، ولم تنطفئ النوافذ.
كان بيتهم لا يزال ممتلئًا، وإن غادره الأبناء، فالقلوب فيه كانت حاضرة دومًا.
جلست "سحر" يومًا في شرفتها، تحمل "محمد" الصغير في حضنها، تنظر إلى الشارع الهادئ، وتبتسم وهي تحدث نفسها:
– "كل اللي اتمنّيته... حصل. أمي راضية... بابا فخور... إخواتي بخير... و"محمد" جنبي."
اقترب "محمد غانم" منها، ووضع يده على كتفها وقال:
– "انتي مش بس "سحر" اسمي... انتي "سحر" حياتي كلها."
ضحكت وهي تقول:
– "وأنت كنت أول حكاية صدّقتها... وآخر حكاية هعيشها."
وغابت الشمس في ذلك المساء، لكن البيت ظل مضيئًا...
لأن الحكايات الطيبة لا تنتهي، بل تعيش في الأبناء...
وفي الذاكرة...
وفي قلب كل من قرأها وعرف "سحر غانم".
تمت بحمد الله. بقلم عاشقة الوطن...سحر غانم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق