الخميس، 12 مارس 2026

مع كل أزمة طاقة يشهدها العالم،

مع كل أزمة طاقة يشهدها العالم، يعود السؤال نفسه إلى الواجهة: إلى متى سيظل الاقتصاد العالمي معتمدًا بشكل شبه كامل على مصادر الطاقة التقليدية؟ فالحروب والصراعات التي تدور حول النفط والغاز ليست جديدة، لكنها تكشف في كل مرة عن هشاشة هذا الاعتماد، وعن مدى تأثيره المباشر على استقرار الدول واقتصاداتها.
الحرب الدائرة اليوم حول موارد الطاقة تعيد التذكير بحقيقة قديمة، وهي أن الطاقة لم تعد مجرد سلعة اقتصادية، بل أصبحت أداة نفوذ جيوسياسي. الدول التي تمتلك مصادر الطاقة التقليدية تستطيع التأثير في الأسواق العالمية، بينما تجد الدول المستوردة نفسها عرضة لتقلبات الأسعار أو اضطرابات الإمدادات.
لكن ما يتغير الآن هو أن العالم يقف أمام فرصة تاريخية مختلفة. فالتقدم التكنولوجي في مجالات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والهيدروجين الأخضر جعل من الممكن التفكير بجدية في نموذج طاقة جديد أقل اعتمادًا على الوقود الأحفوري. ومع كل أزمة في سوق النفط أو الغاز، تتعزز القناعة بأن الطاقة المتجددة لم تعد خيارًا بيئيًا فقط، بل أصبحت خيارًا استراتيجيًا للبقاء الاقتصادي.
الميزة الأساسية للطاقة المتجددة أنها لا تخضع لنفس المعادلات الجيوسياسية المعقدة التي تحكم النفط والغاز. فالشمس والرياح ليستا موردًا نادرًا تحتكر إنتاجه منطقة محددة من العالم، بل موارد متاحة بدرجات متفاوتة في معظم الدول. وهذا يفتح الباب أمام إعادة توزيع موازين القوة في سوق الطاقة العالمي.
الدول التي تستثمر مبكرًا في البنية التحتية للطاقة المتجددة، وتبني قدراتها في إنتاج الكهرباء النظيفة وتخزينها، ستكون أكثر قدرة على حماية اقتصاداتها من تقلبات أسواق الوقود التقليدي. كما أنها ستكتسب ميزة تنافسية في الصناعات المستقبلية التي تعتمد على الطاقة النظيفة.
ولا يقتصر الأمر على إنتاج الكهرباء فقط، بل يمتد إلى صناعات جديدة بالكامل، مثل الهيدروجين الأخضر، الذي يُنظر إليه على أنه أحد أهم مصادر الطاقة في العقود القادمة، خصوصًا في الصناعات الثقيلة والنقل البحري والجوي.
الأزمات الكبرى في التاريخ كثيرًا ما كانت نقطة انطلاق لتحولات اقتصادية عميقة. فكما غيرت أزمات النفط في سبعينيات القرن الماضي طريقة تعامل العالم مع الطاقة، قد تكون الأزمات الحالية بداية لمرحلة جديدة يتغير فيها شكل النظام الطاقي العالمي.
في هذا السياق، لم يعد السؤال ما إذا كان العالم سيتجه نحو الطاقة المتجددة، بل متى وبأي سرعة سيحدث هذا التحول. فالدول التي تسبق في هذا المسار قد تؤمن لنفسها قدرًا أكبر من الاستقلال الاقتصادي والاستقرار الطاقي.
وفي عالم تتزايد فيه الصراعات حول الموارد التقليدية، قد تصبح القاعدة الجديدة بسيطة وواضحة: ينجو اقتصاديًا من يمتلك القدرة على إنتاج طاقته بنفسه.
بقلم د نهي غانم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot