الاثنين، 16 مارس 2026

البطل المزيف في الدراما الحديثة… حين يتحول المجرم إلى قدوة

بقلم وليد عبدالنبي
لم تكن الدراما في يوم من الأيام مجرد وسيلة للترفيه، بل كانت دائماً مرآة تعكس قيم المجتمع، وتقدم نماذج إنسانية يمكن أن يتعلم منها الناس معنى الخير والشر، والعدل والظلم، والقوة والضعف. لكن المتابع للدراما في السنوات الأخيرة يلاحظ تحولاً لافتاً في طبيعة الشخصية التي يتم تقديمها بوصفها "البطل".
فلم يعد البطل ذلك الإنسان الذي ينتصر للحق، أو يدافع عن المظلوم، أو يلتزم بالقيم الأخلاقية التي تحترم المجتمع وتدعمه. بل أصبح البطل في كثير من الأعمال الدرامية شخصاً خارجاً عن القانون، يمارس العنف، ويتاجر بالمخدرات، أو يفرض سطوته بالقوة، ومع ذلك يتم تقديمه في صورة جذابة تجعل المشاهد يتعاطف معه، بل وربما يتمنى أن يكون مثله.
هذا التحول الخطير لم يحدث فجأة، بل جاء نتيجة تغيرات في صناعة الدراما نفسها. فمع اشتداد المنافسة على جذب الجمهور، أصبح صناع بعض الأعمال يبحثون عن الإثارة بأي ثمن، حتى لو كان ذلك على حساب القيم الاجتماعية والأخلاقية. فالشخصية العنيفة أو الخارجة عن القانون تُقدَّم أحياناً بوصفها أكثر تشويقاً وجاذبية للمشاهد، خاصة إذا تم إحاطتها بقصة درامية تجعلها تبدو ضحية للظروف أو المجتمع.
لكن المشكلة لا تكمن فقط في تقديم هذه الشخصيات، فالحياة بطبيعتها مليئة بالنماذج المختلفة، وإنما تكمن في الطريقة التي يتم بها تصويرها. فعندما يصبح المجرم هو الشخصية الأكثر قوة وكاريزما، وعندما يتم تصوير القانون أو القيم الأخلاقية باعتبارها عائقاً أمام النجاح، فإن الرسالة التي تصل إلى المشاهد تصبح رسالة مضللة وخطيرة.
وتزداد خطورة هذه الظاهرة عندما يتلقى الشباب والمراهقون هذه النماذج باعتبارها رموزاً للبطولة. فالعقل في هذه المرحلة العمرية يتأثر بسهولة بالشخصيات القوية والمؤثرة، خاصة عندما يتم تقديمها في إطار جذاب ومثير. وهنا تتحول الدراما من مجرد عمل فني إلى عامل من عوامل تشكيل الوعي والسلوك.
ولعل المقارنة بين الدراما القديمة والحديثة تكشف حجم هذا التحول. ففي كثير من الأعمال الكلاسيكية كان البطل، رغم ما يمر به من صعوبات، يظل في النهاية متمسكاً بالقيم الإنسانية، وكان العمل الدرامي ينتهي غالباً بانتصار الحق أو عودة التوازن الأخلاقي. أما في بعض الأعمال المعاصرة فقد أصبح النجاح مرتبطاً بالقوة والدهاء والقدرة على تجاوز القانون.
ولا يعني هذا أن الفن يجب أن يكون وعظياً أو مثالياً بشكل مبالغ فيه، فالفن الحقيقي يعرض الواقع بكل تناقضاته. لكن الفرق كبير بين عرض الانحراف بوصفه مشكلة يجب فهمها ومعالجتها، وبين تقديمه بوصفه طريقاً للبطولة والنجاح.
إن الدراما تمتلك قوة هائلة في التأثير على الوعي الجمعي، ولهذا فإن مسؤولية صناعها لا تقل أهمية عن مسؤولية المربين والمثقفين. فالمجتمع الذي تتحول فيه صورة البطل إلى صورة المجرم، هو مجتمع يغامر بتشويه منظومته القيمية، ويترك أجياله الجديدة تبحث عن القدوة في المكان الخطأ.
ولهذا يبقى السؤال المطروح اليوم: هل ستعود الدراما إلى دورها الحقيقي في تقديم نماذج إنسانية ملهمة، أم سيستمر البطل المزيف في احتلال الشاشة، حتى يصبح هو النموذج الذي يعتاد عليه المجتمع.                                     بقلم المؤلف والسيناريست.             وليد عبد النبي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot