الاثنين، 16 مارس 2026

حين تتراجع القلوب أمام الأرقام: كيف طغت المادية على المشاعر الإنسانية

بقلم/  د.سوهير الطويل 
استشاري نفسي واسري وتربوي 

في زمنٍ لم تكن فيه الحياة بهذه السرعة، كانت العلاقات الإنسانية تُبنى على الودّ والرحمة والوفاء، وكان الإنسان يُقاس بقلبه قبل أن يُقاس بماله، وبمواقفه قبل ممتلكاته. غير أن العالم اليوم يشهد تحوّلاً عميقاً في منظومة القيم، حيث أخذت المادية تزحف بهدوء إلى قلب العلاقات الإنسانية، حتى أصبحت في كثير من الأحيان معيار الحكم على الأشخاص، وميزان القرب والبعد بينهم.
لم تعد المادية مجرد وسيلة لتحسين مستوى الحياة، بل تحولت لدى البعض إلى غايةٍ في ذاتها. فبات النجاح يُقاس بحجم الثروة، والمكانة الاجتماعية تُختزل في المظاهر، وأصبح السؤال الأول عن الإنسان: ماذا يملك؟ لا: ماذا يحمل في قلبه من قيم ومبادئ.
ومع هذا التحول، تغيّرت طبيعة العلاقات بين الناس. فالعلاقات التي كانت تقوم على المحبة والتكافل أصبحت في بعض الأحيان مشروطة بالمصلحة. الصداقة قد تستمر ما دامت تحقق منفعة، والقرابة قد تضعف حين تتعارض مع حسابات الربح والخسارة. حتى العلاقات الأسرية، التي كانت الحصن الأخير للمشاعر الصادقة، بدأت تتأثر بثقافة الاستهلاك والمنافسة الاجتماعية.
وساهمت عدة عوامل في ترسيخ هذا التحول. فالعولمة الاقتصادية والثقافة الاستهلاكية دفعت الإنسان إلى سباقٍ دائم نحو الامتلاك، بينما عززت وسائل التواصل الاجتماعي ثقافة المقارنة المستمرة بين الناس، حيث تُعرض مظاهر الرفاهية والنجاح بصورة مبالغ فيها، فيشعر كثيرون أن قيمتهم ترتبط بما يملكون لا بما هم عليه.
ومع الوقت، بدأ الإنسان يدفع ثمن هذا الانحراف القيمي. فالمادية قد توفر الرفاهية، لكنها لا تمنح الطمأنينة. قد تفتح أبواب الرفاه، لكنها لا تخلق الدفء العاطفي. لذلك نرى اليوم اتساع دائرة الشعور بالوحدة والفراغ النفسي رغم وفرة الإمكانات المادية لدى كثيرين.
لقد نبّهت الأديان السماوية مبكراً إلى خطر تحوّل المال من وسيلة إلى غاية. فالقرآن الكريم يذكّر الإنسان بقوله تعالى: "ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر"، في إشارة إلى أن الانشغال بالمنافسة المادية قد يُنسي الإنسان جوهر الحياة ومعناها الحقيقي.
ولا يعني ذلك أن الإسلام يرفض المال أو السعي للرزق، بل على العكس، فقد حثّ على العمل والكسب، لكنه وضع المال في موضعه الصحيح: وسيلة للعيش الكريم وخدمة الإنسان، لا معياراً لقيمة الإنسان نفسه. ولذلك قال النبي ﷺ: "ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس."
إن الخطر الحقيقي للمادية لا يكمن في وجود المال، بل في تحوّله إلى مركز الحياة ومحورها. فعندما تصبح القيمة الإنسانية مرهونة بالثروة، تضعف معاني الرحمة والتكافل، ويبهت الشعور بالمسؤولية تجاه الآخرين.
ولهذا فإن استعادة التوازن الإنساني في عصر المادية تبدأ بإعادة الاعتبار للقيم التي تُعلي من شأن الإنسان لذاته: الرحمة، والصدق، والوفاء، والعدل. فهذه القيم هي التي تحفظ إنسانية المجتمع، وتمنح العلاقات عمقها الحقيقي.
وفي النهاية، قد يستطيع المال أن يبني البيوت، لكنه لا يستطيع أن يصنع العائلة. وقد يشتري الهدايا، لكنه لا يخلق المحبة. فالمشاعر الإنسانية الصادقة تظل دائماً أثمن من كل ما يمكن أن يُقاس بالأرقام.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot