الخميس، 12 مارس 2026

كم من الأموال تدور خارج النظام الرسمي؟

سؤال يبدو بسيطًا في ظاهره، لكنه في الحقيقة يفتح الباب لفهم أحد أكثر الجوانب تعقيدًا في أي اقتصاد، وهو ما يعرف بـ الاقتصاد غير الرسمي؛ ذلك الجزء من النشاط الاقتصادي الذي يعمل خارج الإطار القانوني أو الإداري الكامل للدولة، فلا يخضع للضرائب بشكل منتظم، ولا يظهر في الإحصاءات الرسمية كما ينبغي.
الاقتصاد غير الرسمي ليس ظاهرة محلية أو استثناءً في دولة بعينها، بل هو موجود بدرجات متفاوتة في معظم دول العالم. لكنه في الدول النامية يأخذ حجمًا أكبر بكثير، حتى إن بعض الدراسات الدولية تشير إلى أن هذا الاقتصاد قد يمثل في بعض الأحيان نحو 30 إلى 50 في المئة من حجم النشاط الاقتصادي الحقيقي.
وهذا يعني أن جزءًا كبيرًا من الأموال المتداولة في السوق لا يمر عبر القنوات الرسمية المعروفة مثل البنوك أو السجلات الضريبية أو المؤسسات المالية المنظمة.
تتنوع أشكال الاقتصاد غير الرسمي بشكل واسع. فهو يشمل المشروعات الصغيرة التي تعمل دون تسجيل رسمي، والأنشطة التجارية التي تتم نقدًا خارج النظام البنكي، وبعض الخدمات التي تقدم بشكل فردي دون تراخيص أو عقود واضحة. وفي كثير من الأحيان، لا يكون الهدف من ذلك التهرب بقدر ما يكون محاولة لتجنب التعقيدات الإدارية أو التكاليف المرتفعة للدخول في الاقتصاد الرسمي.
لكن وجود هذا الحجم الكبير من النشاط خارج النظام الرسمي يخلق مفارقة اقتصادية مهمة. فمن ناحية، يساهم الاقتصاد غير الرسمي في توفير فرص عمل لملايين الأشخاص، ويساعد على استمرار حركة السوق حتى في أوقات الأزمات. ومن ناحية أخرى، فإنه يجعل الصورة الحقيقية للاقتصاد أقل وضوحًا أمام صناع القرار.
عندما يكون جزء كبير من النشاط الاقتصادي غير مسجل، تصبح بعض المؤشرات الرسمية مثل الناتج المحلي أو حجم التداول المالي أقل دقة في عكس الواقع الكامل. كما تفقد الدولة جزءًا مهمًا من الإيرادات الضريبية التي كان يمكن استخدامها في تمويل الخدمات العامة والبنية التحتية.
إضافة إلى ذلك، يؤثر الاقتصاد غير الرسمي على المنافسة داخل السوق. فالشركات أو الأنشطة التي تعمل خارج الإطار الرسمي لا تتحمل دائمًا نفس التكاليف التي تتحملها الشركات المسجلة، مثل الضرائب أو الالتزامات التنظيمية، وهو ما قد يخلق نوعًا من المنافسة غير المتكافئة.
ومع ذلك، فإن التعامل مع الاقتصاد غير الرسمي لا يكون دائمًا عبر التضييق أو المنع فقط. فالكثير من الخبراء يرون أن الحل الأكثر فاعلية هو تسهيل الانتقال إلى الاقتصاد الرسمي عبر تقليل الإجراءات المعقدة، وتبسيط الضرائب، وتوفير حوافز حقيقية للمشروعات الصغيرة للدخول في النظام القانوني.
في النهاية، يبقى الاقتصاد غير الرسمي أشبه بجزء خفي من الجبل الجليدي. ما يظهر في البيانات الرسمية قد يكون كبيرًا، لكن ما يجري تحته في الواقع قد يكون أكبر بكثير. وفهم هذا الجزء غير المرئي يظل خطوة أساسية لأي محاولة لفهم الصورة الكاملة للاقتصاد.
بقلم د نهي غانم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot