مرت السنوات كغيمةٍ تظلل العمر، لا يشعر بها من يركض في دروب الحياة. تزوج "أحمد" من فتاة مصرية كانت تعمل بأمريكا، وبدأ ينسج فصله الخاص من الحكاية.
أما "محمود"، فقد تخرج من الجامعة، ثم تزوج من فتاة بولندية، فامتزجت دماء العائلة بعطرٍ أوروبيٍ جديد.
أما "آمال"، فقد رزقها الله بتوأمٍ جميل: "مي" و"رامي".
و"محمد" أنجب "عمر" و"دينا" و"علي" و"هنا" — أربعة نجوم تدور حول قلبه الكبير.
و"سحر"... صارت أمًا بدورها، رزقت بـ"سوزي" و"أميرة"، ثم بتوأمها "محمد" و"أمينة".
وأنجب "أحمد" ثلاثيًّا نابضًا بالحياة: "سمنتا"، "أماندا"، و"آدم".
أما "محمود"، فقد سمّى ابنه الوحيد "زين"، فصار زين الحياة كلها.
وبينما كانت الحياة تُنسج بلطف وتدرّج، جاء ذاك اليوم...
كان "محمد" عائدًا من زيارة لمصر، وفي طريق عودته قرر زيارة أخته "سحر" في ولايتها بامريكا.
رافقه "عمر" و"دينا"، وقد ألحّ الطفلان أن يمكثا أيامًا قليلة مع عمتهما وأبناءها، يستمتعان بلعبٍ ونزهةٍ في ربوع المكان.
وافق محمد بعد تردد، وأوصى "سحر" بهم خيرًا:
– "عيالك يا سحر... وعمر ودينا أمانة معاكِ... عارف إنك قدها."
ابتسمت سحر بحنو وقالت:
– "ما تقولش كده يا محمد... دول في عيوني."
وفي اليوم التالي، قررت "سحر" أن تأخذ أبناءها، ومعهم "عمر" و"دينا"، في نزهة إلى البحيرة القريبة.
الجو كان لطيفًا، والماء يلمع تحت أشعة الشمس كأنه يدعوهم للفرح.
جلسوا جميعًا على الرمال الدافئة، يضحكون، يتناولون الوجبات الخفيفة، ويلعبون تحت أنظارها.
وقفت "سحر" بجوار إحدى صديقاتها تراقب الأطفال، وفجأة، وقعت كرة في البحيرة.
قالت صديقتها ضاحكة:
– "يا ريت لو نقدر نجيب الكورة دي قبل ما تغرق أكتر!"
وبدون علم "سحر"، سمع "عمر" الحديث، والتفت برأسه إلى الماء، ثم ركض نحو البحيرة، بخفة الطفولة وحماس التحدي.
كانت "سحر" منشغلة بالحديث، إلى أن أحست فجأة بشيء غريب...
نظرت حولها... أحصت الصغار واحدًا تلو الآخر... أين عمر؟
– "دينا، فين عمر؟!"
قالت دينا ببراءة:
– "كان هنا من شوية... يمكن راح يجيب الكورة؟"
تجمدت الدماء في عروقها.
ركضت نحو حافة البحيرة... ولم ترَ سوى الماء يترقرق، هادئًا، بلا أثر لطفل عمر.
صرخت:
– "عمر!! عمر يا حبيبي!!"
ركضت في الماء بثوبها، تنادي، تبكي، تغوص، تبحث عن أي أثر، عن أي صوت، عن ظلٍ لطفلٍ كان قبل لحظة هنا ضاحكاً للحياة.
لكن الماء ظل ساكنًا، كأنه ابتلعه، كأن البحيرة قررت أن تسرق منها الأمانة.
كانت "سحر" على وشك أن تلقي بنفسها تمامًا خلف عمر، لكن نظرة واحدة إلى الأطفال الواقفين على الشاطئ أعادتها إلى وعيها.
كان الخوف عليهم أقوى من يأسها... فخرجت من الماء، ترتجف، تنادي على فرق الإنقاذ، والقلق يأكل قلبها.
وصل فريق الغوص بعد ساعةٍ كأنها الدهر...
وبعد دقائق من البحث... خرج الغواص يحمل بين يديه جسد "عمر"...
هنا، توقف الزمن.
لم تكن الصدمة فقط في الغرق، بل في كونها الأمانة التي ضاعت منها.
جلست على الرمال، لا تبكي، بل تحدّق في الأفق، كأن عقلها يرفض التصديق.
همست بصوتٍ مبحوح:
– "إزاي أقول لأخويا؟... إزاي أقول له إن ابنه اللي سبته أمانة، رجع له جثة؟"
كان قلبها يتمزق بين الشعور بالذنب، والخوف، والواقع الذي لا مهرب منه.
كيف ستواجه أمها "أنعام"، وأختها "آمال"، وكل العائلة؟
كيف تواجه نفسها؟
وماذا تقول لأخيها محمد ضيعت امانتك..؟
في تلك الليلة، جلست "سحر" بجوار فراش أبنائها، وهم نائمون، تبكي في صمت.
كان عقلها يستعرض المشهد مرة بعد مرة، وصوت داخلي يهمس:
– "أنا أم... لكني فشلت."
لكن في مكانٍ آخر من روحها، كان صوت الإيمان يهمس بلين:
– "قَدَر الله، وما شاء فعل... ما كنتِ لتمنعي ما كُتب... ولا كنتِ لتدفعي الموت بيدٍ أو دعاء."
ورغم النار التي تسكن قلبها، ظلت "سحر" تردد كل ليلة:
– "اللهم إني لا أبرئ نفسي... ولكني أرجو رحمتك... عمر أمانتك يا رب... ردّها إليك، فهون على قلوبنا."
وهكذا... كُتب هذا الفصل من الرحلة بالحبر الأسود، لكنه سكن في قلب "سحر" كنقطة لا تُمحى...
ذكرى لطفلٍ كان يشبه الفجر... وخُطف قبل أن تكتمل الشمس. بقلم عاشقة الوطن...سحر غانم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق