الخميس، 12 مارس 2026

نهاية رحلة... وبداية أخرى


كانت الشمس تشرق على بيت "رفاعي" بنورٍ مختلف، نور لا يشبه الصباحات المعتادة، بل يشبه الفرح الذي انتُزع من جوف الانتظار الطويل. بيتٌ شهد البكاء والخوف والدعاء، ها هو اليوم يبتسم، كأن الزمن أراد أن يردّ الجميل لقلب أمٍ ضحّت بكل ما تملك، ولطفلة كانت تستند إلى صدر أمها في الليالي الباردة وهي صغيرة، والآن صارت امرأة ناضجة، تعرف ماذا تريد، وتعرف كيف تحب.

"سحر"... لم تعد تلك الفتاة التي تكتب الأحلام على دفاتر المدرسة، بل صارت خريجة متميزة من الجامعة، ومخطوبة لابن بلد يعرف معنى الرجولة والحب والعمل.
"محمد غانم"... شاب بدأ رحلته في أحد المطاعم الصغيرة بامريكا، ولم يكن يملك سوى يديه، وقلبه، وحلم بأن تكون "سحر" يومًا ما شريكته في الحياة. لم يكن يعدها بالقصور، بل وعدها بأن تكون السعادة شيئًا يصنعه بعرقه، وبأنها ستكون زوجة لرجل لا يخذل.

وقبل أيام قليلة من الزفاف، جلست "سحر" بجوار والدها "رفاعي" في فناء البيت، حيث الضوء خافت، والليل دافئ، والذكريات تتسلل بين الكلمات.

قالت بصوتٍ مبلل بالشوق:

– "بابا... ممكن تطلب من ماما تتصل بجدتي ذكية؟
أنا عاوزاها معايا يوم فرحي... ماشتقتش لحد زي ما اشتقت لها."

نظر إليها "رفاعي" بنظرةٍ حملت سنينًا من الذكرى، وقال بهدوء:

– "أكيد يا بنتي... الفرح ما يكملش من غيرها... دي أمك الكبيرة."

وفي اليوم التالي، كانت "أنعام" تمسك الهاتف كأنها تمسك بقلبها، صوتها يرتجف، والدموع تتراكض في عينيها:

– "يا أمي... "سحر" هتتجوز... وعاوزينك تكوني معانا... مشتاقينلك قوي."

جاء صوت "ذكية" من بعيد... ضعيفًا في نبرة، قويًا في الإحساس:

– "هجيلكم يا أنعام... دي "سحر" دي حتة من قلبي... لازم أكون جمبها في يوم زفافها."


جاء يوم الزفاف.

البيت امتلأ بالبهجة، بالضحكات، بأغنيات قديمة تحفظها الجدران.
أطلت "سحر" كأنها فجرٌ يتفتح بثوب أبيض، تحمله البركة من رأسها حتى قدميها، وفي عينيها ضوءٌ لا يعرف إلا من صبر طويل.

وفي خضم الزغاريد، دخلت الجدة "ذكية" تمشي على مهل، تسندها إحدى القريبات، لكنها بدت كمن تحمل العمر كله كي تصل إلى هذه اللحظة.

رأت "سحر"، ففتحت ذراعيها وقالت بصوتٍ مغمور بالعاطفة:

– "تعالي لحضني يا بنتي... أنا هنا... أنا جيت."

هرعت "سحر" إليها، غاصت في صدرها، تضحك وتبكي، بينما كانت "أنعام" تقف خلفهما، تمسح دموعها وتهمس:

– "الحمد لله... الفرحة كملت."


كان الزفاف بسيطًا... لكن قلوب الحاضرين كانت ممتلئة غنىً، وكان محمد غانم ينظر إلى "سحر" كأنها وعدٌ يتحقق.
وها هو يفي بوعده، لا أمام الناس فقط، بل أمام نفسه أولاً.

ومع بداية عام 1987، انتقلت "سحر" من عالم الطفولة إلى عالم جديد، عالم زوجة تحمل على عاتقها مسؤولية بيت وزوج ومسيرة عمر جديدة.

لم يكن الأمر سهلاً، لكنها اختارت هذه الرحلة منذ أن التقت بمحمد في الجامعة، حين بدأ بينهما ذاك الحديث العابر، الذي تحوّل إلى شراكة عمر.

وبينما تُغلق صفحة من صفحات البنات في بيت "رفاعي"، بعد زواج "آمال"، ثم "محمد"، ها هي "أنعام" تبتسم أخيرًا...
تبتسم لأن "سحر" صارت عروسًا، لأن أمها "ذكية" عادت، لأن البيت امتلأ بالفرح بعد طول غياب.

وسافرت "سحر" إلى بيتها الجديد في ولاية اخرى، لكن قلبها ظل ينبض هناك، في بيت أبيها في نيويورك، حيث بدأت الرحلة... وحيث تنمو الذكريات، كزهورٍ لا تذبل.                                         بقلم عاشقة الوطن..سحر غانم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot