السبت، 7 مارس 2026

جيل بلا يقين: لماذا أصبح الشباب أقل ثقة في المستقبل؟

لم يكن سؤال المستقبل يومًا حاضرًا في أذهان الشباب كما هو اليوم.
فبينما كانت الأجيال السابقة تنظر إلى الحياة باعتبارها مسارًا واضحًا نسبيًا—تعليم، ثم وظيفة، ثم استقرار أسري—يجد كثير من الشباب اليوم أنفسهم أمام عالم أكثر تعقيدًا وأقل قابلية للتنبؤ.
هذا التحول لم يأتِ من فراغ، بل هو نتيجة مجموعة من التغيرات الاقتصادية والاجتماعية المتسارعة التي أعادت تشكيل فكرة الاستقرار نفسها.
أحد أبرز هذه العوامل هو القلق الوظيفي.
ففي كثير من الدول، لم تعد الوظيفة الدائمة التي تستمر لسنوات طويلة هي القاعدة كما كانت في الماضي. سوق العمل أصبح أكثر مرونة، لكنه في الوقت نفسه أكثر تقلبًا. تظهر وظائف جديدة بسرعة، وتختفي أخرى بالسرعة نفسها، بفعل التطور التكنولوجي والتحولات الاقتصادية العالمية.
بالنسبة للشباب، يعني ذلك أن المسار المهني لم يعد واضح المعالم كما كان من قبل.
الوظيفة التي يدرس لها الطالب اليوم قد تتغير طبيعتها بعد سنوات قليلة، وقد تظهر مهارات جديدة مطلوبة لم تكن جزءًا من التعليم التقليدي.
إلى جانب ذلك، تلعب تكلفة المعيشة المرتفعة دورًا مهمًا في تشكيل هذه الحالة من القلق.
فارتفاع أسعار السكن، وزيادة تكاليف التعليم، وتغير أنماط الاستهلاك جعلت الوصول إلى مستوى من الاستقرار المادي أكثر صعوبة مقارنة بما كان عليه الحال لدى الأجيال السابقة.
هذا لا يعني أن الفرص اختفت، بل ربما زادت في بعض المجالات، لكن الوصول إليها أصبح يتطلب قدرًا أكبر من المنافسة والمرونة والمهارات المتجددة.
كما أن مفهوم الاستقرار نفسه بدأ يتغير.
فبينما كان الاستقرار في الماضي يعني وظيفة ثابتة ومصدر دخل يمكن التنبؤ به، أصبح كثير من الشباب اليوم ينظرون إلى الحياة المهنية باعتبارها مسارًا متغيرًا قد يتضمن عدة وظائف أو مجالات مختلفة على مدار السنوات.
وسائل التواصل الاجتماعي أضافت بعدًا آخر لهذه الصورة.
فالمقارنة المستمرة بين التجارب الفردية، ورؤية نماذج نجاح سريعة أو استثنائية، قد تجعل بعض الشباب يشعرون بأنهم متأخرون عن أقرانهم، حتى وإن كانت هذه المقارنات لا تعكس الواقع الكامل.
ومع ذلك، فإن وصف هذا الجيل بأنه “جيل بلا يقين” لا يعني بالضرورة أنه جيل بلا طموح.
بل ربما العكس هو الصحيح. فكثير من الشباب اليوم يمتلكون قدرة أكبر على التكيف مع التغيرات، وعلى البحث عن فرص جديدة خارج المسارات التقليدية.
التحدي الحقيقي يكمن في كيفية بناء بيئات اقتصادية وتعليمية تساعد هذا الجيل على تحويل القلق إلى طاقة إيجابية، وعلى اكتساب المهارات التي تسمح له بالتعامل مع عالم سريع التغير.
فالمستقبل قد لا يكون واضحًا كما كان في الماضي،
لكن القدرة على التعامل مع الغموض قد تصبح في حد ذاتها أهم مهارة في عصرنا الحالي.
بقلم د نهي غانم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot