الثلاثاء، 3 مارس 2026

جمْع الشّتات


خرجت "آنعام" مِن المستشفى بصحبة والدتها، الجدة "ذكية"، بعد زيارة امتدت لساعات "لمحمد"، الذي بدا أخيرًا أكثر استقرارًا بعد أيام مِن الخطر والترقب. 

كان الصمت يلف السيارة في طريق العودة، لكن القلوب تضجّ بالدعاء والتنهيدات، كأنّ في كل لحظة تمرّ اختبارًا جديدًا للصبر.

لم تنبس الجدة "ذكية" بكلمة طوال الطريق، وأكتفت بضم حقيبة يدها إلى صدرها، بينما كانت "آنعام" تمسك بيد "محمد" كمن ينتظر صوتًا يثبّت قلبها.

حين وصلت إلى البيت، وجدت "سحر" و"آمال" و"محمود" في إنتظارها عند الباب، وجوههم متعبة مِن السهر، عيونهم تقرأ الأخبار قبل أن تُقال.

فتحت الباب بصوتها الطيب:
— "الحمد لله، الدكتور قال إن حالته مستقرة.. و في تحسن."
ارتفعت تنهيدة جماعية، كأن الهمّ انزاح عن الصدور، ولو قليلًا.

لكن قبل أن تخلع "أنعام" حجابها، رنّ الهاتف. وإذا به… "رفاعي".

رفعت السماعة بتردد، وقلبها يخفق:
— "السلام عليكم يا "رفاعي....؟"
جاء صوته دافئًا، مثقلًا بالشوق والقلق:
— "طمئنيني يا "آنعام…عن صحة "محمد "وكيف حاله الأن......؟"
تنهدت:
— "بخير والله… الدكتور قال لي كام يوم وسوف يخرج، الحمد لله مرت المرحلة الصعبة."

سكت قليلًا ثم تابع:
— "إياك أن تهملي علاجه يا "آنعام… جهزي له طعام صحي وكوني بجانبه دائماً، النفسية مهمة… لابد أن نحافظ عليه، إنه صغير ولابد أن يقاوم."

ردت "آنعام" بنبرة خافتة، تحمل كثيرًا:
— "حاضر يا "رفاعي" لا تقلق سأعتني به… والله إني حاسة بيه بكل نبضة. 

حتى أخته "آمال" نامت بأعجوبة ، قلبها يؤلمها على أخيها من ليلة آمس ."

ترددت قليلًا، ثم قررت أن تحكي:
— "وعلى فكرة… "أحمد" قال لي ليلة  أمس الشرطة جاءت تسأل، عن الحادث في المستشفى، وحدثت محادثة كتيرة بين الشرطي و"محمد … لكن "أحمد" قال بكل ثقة وإيمان بالله إن هذا قضاء ربنا، وقدر الله وما شاء فعل."

سكت "رفاعي" طويلًا، كأن شيئًا في صدره تكسّر. ثم قال بصوتٍ ثقيل:

— "أنا لم يعد لي غير خيارين يا "آنعام."
رفعت حاجبيها، وقالت بخوف:
— "خير يا "رفاعي.....؟ 
خيارين ما هما......؟"
ماذا تقصد......
قالها بلهجة حاسمة:
— " أن تأتوا للعيش معي بأمريكا 
أو أنزل "مصر "وأستقر معاكم.

لا  أقدر على العيش بعيد عنكم، أنتهى… لابد أن يجمع شملنا."

صمتت "أنعام" لحظة، كأنها تبحث عن جملة تليق بهذا القرار، ثم ردّت بصوتٍ مبلّل بالدموع:

— "أتخذ القرار الذي تراه صائب وفي مصلحة الجميع يا "رفاعي…" أنا معك في كل حال.

الأهم أولادنا… "محمد" يحتاج لنا، وإخوته كبروا والأيام والسنين تمر ولا يمكننا الإستمرار على هذا الوضع، كل منا في بلد."

قال "رفاعي" بصوتٍ حنون، كأنه أبٌ يعود إلى عشه بعد غياب:
— "يكفي بُعد… يكفي وجع.

دعينا نتجمع مع بعض يا "آنعام…" ليس مِن أجل الأولاد فقط، لكن مِن أجلنا جميعاً ." 

وبعد إنتهاء المكالمة الهاتفية ،
كانت "آنعام" واقفة عند نافذة الصالة، تنظر إلى الشارع المظلم، والريح تهدهد الستائر برفق.

لكن في داخلها… كان هناك نور صغير بدأ يضيء.
ربما… حان وقت لمّ الشمل.

ربما… تعود الحياة، ولو على استحياء.                                    بقلم.                                          عاشقة الوطن...سحر غانم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot